السياسات الحكومية تقود الضمان إلى أزمة مالية

تموز 10, 2019

 

-المرصد

رفيق صادق- يتألف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من 3 فروع ولكل فرع من أفرع الصندوق حساب مالي خاص به ولا يتم دمج أموال الأفرع مع بعضها البعض. ومع  ذلك يقترض فرع ضمان المرض والأمومة من فرع نظام نهاية الخدمة في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي حتى يتمكن من تسديد جزء كبير من نفقاته سيما وأن تقديماته السنوية تصل إلى 800مليار ليرة لبنانية دون احتساب كلفته الإدارية ـ ومن المؤكد أن ايرادات هذا الفرع لا تصل إلى أكثر من 330 مليار ليرة لبنانية.

ويحصل الضمان أمواله من خلال اشتراكات 250ألف أجير مسجلين بـ"الصندوق" بمعدل مليون ليرة كأجر  شهري. وتبلغ قيمة الاشتراك الشهري 23%، يحصل منها  فرع ضمان المرض والأمومة  على نسبة 11% (8% على صاحب العمل و 3% على الأجير). يعود العجز المالي في فرع المرض والأمومة إلى تخلف أصحاب العمل عن دفع الاشتراكات،  وطبعا يقال في الأسباب الموجبة للإستدانةان الدولة لا تسدد ما عليها من اشتراكات عن الأجراء الذين يعملون لديها ويخضعون لأحكام قانون الضمان ولا عن الفئات الخاصة التي يتوجب عليها مساهمات في الإشتراكات الخاصة بهم، وهذا ما يفسر ما ورد في مشروع موازنة 2019 ان على الدولة مبلغ ملياري دولار للصندوق وتعهدت بتسديدهم على عشر دفعات متساوية يستحق أول دفعة منها في أيلول 2019، بالاضافة إلى ان إستمرار الحكومات المتعاقبة بالإغداق على أصحاب العمل بوعود إصدار قانون عفو عن غرامات التأخير على إشتراكاتهم المتأخرة للضمان أدى إلى تراجع  نسبة من يسددون بانتظار وعود الحكومات. (صدر السنة الماضية " قانون"  إعفاء أصحاب العمل من 90% من غرامات التأخير وأستمرت مفاعيل هذا القانون إلى ربيع العام الحالي علما أن الموازنة التي يجري نقاشها حاليا في المجلس النيابي تتضمن مشروع عفو آخر بنسبة 85% من غرامات التأخير مما شجع أصحاب العمل على الإمتناع عن تسديد الإشتراكات التي تقدر قيمتها بحوالي 1200 مليار ليرة لبنانية أي 800 مليون دولار أميركي).

أمام هذا الواقع المتردي وبسبب كثرة الإشاعات وآخرها كانت " ان الضمان متوقف عن تسديد تعويضات نهاية الخدمة للمضمونين " سيما وأن عدد الطلبات في تزايد غير مسبوق يؤشر بوضوح إلى حجم الأزمة المعيشية التي يعيشها الأجراء، وبالتالي أدى ذلك إلى ربط الأمور ببعضها وإعتبار أن الضمان استنفذ ما لديه من مخزون متراكم من إشتراكات فرع نهاية الخدمة وتوقف عن الدفع .

الضمان يستمر بدفع التعويضات

بداية لم يسبق بـ"الضمان" أن توقف عن دفع تعويضات نهاية الخدمة رغم ارتفاع عدد الطلبات إلى ارقام خيالية وخاصة في العامين الأخيرين، وذلك يعود اما للشائعات او لتفاقم الوضع الإقتصادي والمعيشي للاجراء او للآمران معا.

          ان اساس هذه الشائعات يعود إلى أن أحد أجهزة الصندوق المعنية بدفع تعويضات نهاية الخدمة قد قررت التمسك باحكام المادة ( 17) من نظام نهاية الخدمة ( الفقرة الأخيرة) التي جاء فيها " ويصفي الصندوق حساب تعويضهم خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تقديم الطلب" ونسي هؤلاء ان النظام يتحدث عن طلبات فئة الذين يتركون العمل المأجور فقط في حين ان الطلبات بمعظمها تعود اما لبلوغ السن القانوني ( أقل من 64 سنة ) او تراكم أكثر من عشرين سنة خدمة مصرح عنها للضمان او زواج الأجيرة او حتى وفاة المضمون وجميع هذه الحالات باستثناء بلوغ عشرين سنة خدمة تتطلب ان يكون الأجير قد توقف عن عمله اي فقد دخله الشهري الذي يؤمن معيشته هو واسرته او معيشة خلفاء المضمون في حال الوفاة، فكيف يمكن تطبيق هذه المادة دون ان نأخذ حق المضمون بتأمين معيشته وعائلته بعين الإعتبار، هذا والجدير ذكره ان فلسفة الضمان في اعتبار " النفقة معقودة حكما " تؤكد ان خلفية المشرع قائمة على احترام حق الإنسان بتأمين معيشته واسرته وهذا احد الحقوق التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ورد في الدستور اللبناني في المقدمة " ان لبنان يتبنى هذا الإعلان ويعتبره جزء لا يتجزأ من الدستور .." وعليه يتوجب على الضمان ان يعي خطورة المخالفة التي يقوم فيها في حال الإستمرار بها دون مراعاة جوهر فكرة الضمان وحقوق المضمون الدستورية والإنسانية ودون الإلتفات إلى ان المادة المذكورة تقول خلال ثلاثة اشهر وليس بالضرورة أن ينتظر الضمان إلى نهاية الشهر الثالث لتصفية ودفع التعويضات.

لذلك كان هذا اللغط والشائعات التي فتحت العيون على واقع وحقيقة ما يجري في الضمان ماليا وإداريا ، حيث يقول المثل الشائع " لا دخان من دون نار "

 

مما لا شك فيه ان في الصندوق أزمة مالية غير خافية على العديد من المتابعين لشأن الضمان، ويعود معظم اسبابها إلى سياسات الحكومات المتعاقبة منذ الطائف حتى اليوم والا كيف نفهم او نبرر ما قامت به هذه الحكومات على الصعد التالية:

1ـ تخفيض الإشتراكات من 38,5% إلى 23,5% دون أي دراسة وأي اعتبار لمسألة التوازن المالي في الصندوق.

2ـ منع مجالس الإدارة المتعاقبين من تشكيل اللجنة المالية التي اناط بها القانون في مادته (3) مسؤولية توظيف جزء من أموال الصندوق في مجالات إجتماعية تعود بالنفع على المضمونين .

3ـ ابقاء الضمان من أكثر من عقد بدون مجلس إدارة ـ والتمديد لمجلس انتهت مدته ولم يبق من اعضائه أكثر من 17 أو 16 عضو من أصل 26.

4ـ الإصرار على حصر التوظيف المالي لأموال الصندوق في سندات الخزينة حيث تزيد محفظة الصندوق منها على ثلاثة مليارات دولار أميركي، يضاف اليها الملياري دولار التي تمتنع الحكومات من أكثر من عشرين سنة عن تسديدها وتعفي نفسها من أي غرامات تأخير عنها .

5ـ الإصرار لمرات عديدة على إعفاء المتأخرين من أصحاب العمل من غرامات التأخير دون مراعاة للآحتياجات المتزايدة للصندوق خاصة مع الإرتفاعات المستمرة في كلفة العنايات الطبية، حيث ادى هذا السلوك الى ارتفاع نسبة الذين لا يسددون الإشتراكات.

6ـ تخفيض تقديمات فرع التعويضات العائلية من 75% من الحد الأدنى للأجور الى 33,3% من الحد الأدنى بسبب فك الإرتباط ما بين الحد الأدنى ونسبة التعويض العائلي ( عن زوجة وخمسة أولاد )

7ـ احتجاز مراسيم تطبيقية متعلقة بتطوير التقديمات عن طريق تنفيذ فروع جديدة، واستكمال تنفيذ تقديمات نصت عليها القوانين: تعويض العجز ـ تعويض الأمومة ـ تعويض المنح التعليمية ـ طب الأسنان، إضافة إلى إصدار مراسيم تطبيق فرع طوارئ العمل والأمراض المهنية .

8ـ اخضاع الضمان لمجلس الخدمة المدنية خلافا للمادة الأولى من قانونه لمنعه من تأمين إحتياجاته من الكاد البشري وفي حساب بسيط يتبين ان الدولة بشكل غير مباشر تضع يدها على ما يقارب ستة مليارات دولار من أموال الصندوق وتضيق الخناق عليه من خلال حرمانه من غرامات التأخير عليها وعلى أصحاب العمل، وبالتالي ضرب ما ورد في المادة الأولى من قانون الضمان لجهة الإستقلال المالي والإداري للصندوق.

اذا هل الصندوق يعيش أزمة مالية أم هو ضحية سياسات الحكومات المتعاقبة ؟

بالنظر إلى الوقائع التي عرضت يتبين بوضوح أنه في ازمة مالية آخذة بالتزايد والإتساع ومعظم أسبابها يعود للدولة وسياساتها علما ان الأمر لا يقتصر على الوضع المالي فالوضع الإداري ليس بوضع أفضل ولكن الحديث عنه يحتاج إلى مقالة أخرى في وقت قريب

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
صفقة بين القوى السياسيّة لإقرار الموازنة

صفقة بين القوى السياسيّة لإقرار الموازنة

تموز 16, 2019 1237 مقالات وتحقيقات

«انتفاضة» فلسطينية ضد وزارة العمل

«انتفاضة» فلسطينية ضد وزارة العمل

تموز 16, 2019 46 مقالات وتحقيقات

إضراب «اللبنانية»: عودة متعثرة إلى التدريس

إضراب «اللبنانية»: عودة متعثرة إلى التدر…

حزيران 21, 2019 213 تربية وتعليم

إضراب «اللبنانية»: عودة متعثرة إلى التدريس

إضراب «اللبنانية»: عودة متعثرة إلى التدر…

حزيران 21, 2019 200 تربية وتعليم