خطة وزارة العمل: حل أزمة التشغيل عبر خلق أجواء العنصرية

تموز 16, 2019

-المرصد

أسعد سمور- اعتمدت وزارة العمل اللبنانية خطة أطلقت عليها اسم "مكافحة اليد العاملة الاجنبية". قبل الاطلاع على الخطة بدا واضحا أن الخطة لا تهدف إلى تنظيم سوق العمل بقدر ما تسعى إلى استهداف فئة عمالية بعينها هي العمال السوريين دون أن تهتم بتنظيم فئات تعاني من الاضطهاد كالذي تتعرض له العاملات المنزليات من شروط عمل مجحفة ترعاها مكاتب الاستقدام المرخصة من قبل الوزارة نفسها. ولو كانت الوزارة تسعى فعلا لمعالجة أزمة التشغيل في لبنان لانتهجت منهجا آخرا، فالبطالة وندرة فرص العمل ليست أمورا مستجدة مع اللجوء السوري. بل مرتبطة بالنظام الاقتصادي الريعي الذي يساهم في تهجير الشباب اللبناني، وهو نفسه النظام الذي يروج بدعة "اللبناني يبدع في الخارج" لأن المسؤولين عن إدارة البلاد لا يريدون إقتصادا يخلق فرص عمل. ومهما حاول وزير العمل تبرئة نفسه من انتهاج مسلك عنصري تجاه العمالة السورية إلا أن خطة وزارته لا يمكن إلا أن تقود إلى تعزيز أجواء العنصرية وما تحمل من تداعيات نحن بغنى عنها.

الخطة التي أطلقها وزير العمل كميل أبو سليمان تبدأ من تبريرات نظرية تبين أهمية "مكافحة" العمالة غير اللبنانية وتحديدا السورية. وبحسب الخطة الفذة فإن السوريين أصحاب الكفاءة والمهارة ينافسون اللبنانيين في مختلف القطاعات. وكي لا نظلم عبقرية الخطة لابد من الاشارة إلى أنها لفتت إلى "عدم رغبة" أصحاب العمل بتحمل أعباء اشتراكات الضمان الاجتماعي، وتضيف الخطة أن العمال السورييون يعدون بمئات الألاف. عبقرية الخطة ركزت على أن العمال السوريين هم المشكلة، وكأن السوريون هم من يصرفون العمال اللبنانيين من وظائفهم ومن ثم يعينون أنفسهم في هذه الوظائف. أما أصحاب العمل المغلبون على أمرهم، كما تعتقد وزارة العمل،  فلا ناقة لهم في ما يحصل ولا جمل، هم فقط لا يرغبون في دفع اشتراكات الضمان.

 

خطة الوزارة: ذر للرماد في العيون

تعتقد الوزارة أن العمال السوريين ينافسون العمال اللبنانيين، ولكن المنافسة تفترض مساواة في حدها الأدنى، وعندما يصل معدل أجور السوريين إلى ثلثي الحد الأدنى فقط، وبأكثر من 12 ساعة عمل ودون أي ضمانة أو رعاية ودون أي حماية ووقاية أثناء العمل فإن ما يحدث هنا ليس منافسة بين العمالة اللبنانية وغير اللبنانية، بل استعباد للعمال غير اللبنانيين وابتزاز للعمال اللبنانيين، الأجدى بوزارة العمل أن تكافح استعباد العمال لا أن تكافح العمال أنفسهم.

لاشك أن الخطة حققت إنجازا مهما لمعالي الوزير أبو سليمان، إنجازا سياسيا أقل ما يمكن وصفه بالرخيص، ليحقق شعبية مستندة إلى أساليب فاشية تعزز خطاب العنصرية والكراهية، وتلقي مسؤولية التردي الاقتصادي على كاهل عمال سوريين هاربين من الموت في بلادهم، وتعفي الوزراء والنواب اللبنانيين من مسؤوليتهم في قيادة البلاد إلى هذا المنحدر. ففي لبنان حكومات تقر سياسيات اقتصادية تحمي الاقتصاد الريعي الذي لا يخلق فرص عمل وتحارب الاقتصاد المنتج لفرص العمل.

قبل اللجوء السوري إلى لبنان،  كان سوق العمل اللبناني يستقبل سنويا بين 40 و45 ألف طالب عمل جديد ولا يؤمن سوى 11 ألف وظيفة. 9 ألاف وظيفة قديمة شغرت بسبب إحالة العامل إلى التقاعد أو استقالته أو سفره.... و3 ألاف وظيفة مستحدثة. وبذلك يتكدس سنويا حوالي 30 ألف لبناني في سوق "المعطلين عن العمل"، هذا السوق ينمو ويكبر بسبب بضعة عشرات من الممسكين بالقرار الاقتصادي في لبنان من زعماء طوائف ورجال أعمال الذين يحققون ثروات هائلة من اقتصاد ريعي ينهل من جيوب الفقراء ويسلبهم إمكانية خلق فرص عمل لائقة، وليس بسبب "مئات ألاف من العمال السوريين".

المؤسسة الوطنية للاستخدام: شاهد ماشفش حاجة

الغائب الأبرز عن خطة وزارة العمل هي المؤسسة الوطنية للاستخدام، المنوط بها مهمة تنظيم سوق العمل، وتوفير فرص العمل للبنانيين، ولكن الوزارة قررت أن تتجاهل هذه المؤسسة، لأن دور المؤسسة يقوم على مكافحة البطالة في حين أن الوزارة تريد مكافحة العمالة، ولأن دور المؤسسة هو المساهم في تشجيع وتنظيم المشاريع التي تنعكس إيجابا على سوق العمل في حين أن الوزارة تريد إغلاق المحال والمؤسسات والمشاريع  بدلا من تنظيمها وقوننتها، ولأن دور المؤسسة وضع الدراسات الرامية إلى تحديد سياسة الاستخدام في حين أن هم الأول للوزير أبو سليمان شن الهجوم على العمال السوريين لتحقق مكتسبات سياسية.

الفلسطينيون: "بكل عرس لهم قرص"

قبل لجوء السوريون إلى لبنان هربا من الموت والدمار في بلادهم، كانت الدعاية الحكومية  المجترة تركز على الفلسطيني باعتباره السبب الرئيسي في عدم تمكين اللبنانيين من الحصول على فرص عمل. وبالرغم من انتقال التهمة من الفلسطيني إلى السوري إلا أن ذلك لم يعف الفلسطينين من تداعيات خطة "مكافحة العمال" فأغلقت محالهم. قبل أن يصدر قرار باستثنائهم.

ولابد من الاشارة إلى أن حجم القوى العاملة الفلسطينية في لبنان لا تتجاوز الـ70 ألف وأكثر من 50% من الناشطين إقتصاديا عاطلين عن العمل. كذلك فإن العمال الفلسطينيون الذين يعملون في لبنان لا يحولون أجورهم إلى الخارج كبقية العمال غير اللبنانيين، بل أكثر من ذلك فإن الفلسطينيون الذين هاجروا إلى الخارج يقومون بتحويل أموالهم إلى لبنان ولذلك فهم متشابهون من الناحية الاقتصادية تماما مع العمال اللبنانيين.

مقاربة مسألة العمالة الفلسطينية تبين حقيقة الحملات التي تطلقها الحكومات اللبنانية ووزراتها فيما يتعلق بأزمة التشغيل في سوق العمل، فكل ما تقوم به الادارات الرسمية لا يعدو سوى محاولات حثيثة لتشويه الطراع الاجتماعي بحيث أن الصراع لا يكون بين العمال من جهة وأصحاب العمل من جهة أخرى، ويتحول الصراع إلى صراع بين العمال اللبنانيين من جهة وغير اللبنانيين من جهة أخرى، أما المستفيد الوحيد من هذا التحول فهم أصحاب الاعمال الذين يحققون المزيد من الارباح من خلال استعباد العمال غير اللبنانيين وتعزيز خطاب العنصرية بين أوساط العمال اللبنانيين دون الاهتمام بالاثار الاجتماعية والامنية والاخلاقية الناجمة عن تعزيز هذا النوع من الخطابات

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
تحويلات العمّال من الخارج لا الاستثمارات الخارجيّة هي أكبر مصدر للتمويل والتنمية

تحويلات العمّال من الخارج لا الاستثمارات…

تموز 29, 2019 2216 مقالات وتحقيقات

مأساة نساء الفريز

مأساة نساء الفريز

تموز 26, 2019 2317 مقالات وتحقيقات

التعليم الرسمي يعتصم

التعليم الرسمي يعتصم

تموز 26, 2019 181 أخبار

الناجحون عبر مجلس الخدمة المدنية: ضحايا «العيش المشترك»!

الناجحون عبر مجلس الخدمة المدنية: ضحايا …

تموز 26, 2019 176 مقالات وتحقيقات

«دليل المهندسين» لدمج المعوقين: سوء التصميم يولّد الإعاقة

«دليل المهندسين» لدمج المعوقين: سوء التص…

تموز 25, 2019 190 المجتمع المدني

طراد حمادة عن خطة «تنظيم العمالة الأجنبية»: هل الهدف إرسال الفلسطينيين إلى السجون أم ترحيلهم؟

طراد حمادة عن خطة «تنظيم العمالة الأجنبي…

تموز 25, 2019 211 مقالات وتحقيقات