الضمان الاجتماعي: تعويضات نهاية الخدمة تتآكل

شباط 21, 2020

الاخبار-21-2-2020

هيثم الموسوي


تشكّل قيمة سلف المستشفيات والفوائد عليها المأخوذات الحقيقية من أموال نهاية الخدمة غير المقيّدة تحت باب إنفاق صندوق المرض والأمومة
«تشكّل مأخوذات فرع ضمان المرض والأمومة 24% من صندوق تعويض نهاية الخدمة». هذا هو الجزء الأهم من خلاصة تقرير لجنة الشؤون المالية، المسجّل في الإدارة منتصف كانون الثاني الماضي. ثمة من أوصل الى هذه الخلاصة التي يُقضم بسببها تعب فقراء يدفعون اشتراكاتهم بدمهم: الأول هو الدولة التي تمتنع عن دفع ديون الاشتراكات ومتوجّباتها تجاه فروع الصندوق، والتي لامست 3400 مليار ليرة. أما المسؤول الثاني فهو الصندوق بسوء إدارته الذي جعل من المؤسسة وكراً للفساد

كلما اعتقد «أهل» الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أنهم لامسوا القعر، يتبيّن بأن القعر لا حدود له. فالأزمات لا تنتهي، ولا تنفكّ تتوالى واحدة تلو الأخرى. فمن فضيحة المستخدم الذي قبض تعويضه مرتين، إلى فضيحة «سوبرمان» برامج الضمان الذي يتحكّم وحده ببرامج المكننة في الصندوق، إلى فضيحة «خسارة» تعويضات الناس.
اليوم، يعاني الضمان من أزمة «أقل ما يمكن وصفها بأنها خطرة»، على ما يقول أحد المتابعين للملف، وهي تلك التي تتعلق بـ«الوضع المالي والعجز الحقيقي في الصندوق»، انطلاقاً من دراسة حالتَي صندوق المرض والأمومة وانعكاساته على صندوق تعويضات نهاية الخدمة، والتي ترد نتائجها في التقرير الأخير للجنة الشؤون المالية، سنداً لقطع الحساب لعام 2018. وهو آخر تقرير لا يشمل ضمناً عام 2019 و«الارتكابات الحاصلة».
يأتي هذا التقرير ليناقض ما دأبت الإدارة على قوله في تقريرها «الرسمي»، والذي تحتسب فيه عجوزات صندوق المرض والأمومة المتراكمة حتى أواخر عام 2018 بحدود ألفين و68 مليار ليرة لبنانية، فيما تورد بأن قيمة الأموال الفعلية الموجودة في حسابات صندوق نهاية الخدمة تبلغ 12 ألفاً و211 مليار ليرة. لكن، على ما يبدو، فإن هذه «الخلاصة» التي تعتمدها إدارة الصندوق، دونها خلاصة أخرى خرج بها تقرير لجنة الشؤون المالية. فلهذا الأخير حسابات أخرى، بلغت نسبة التمايز فيها عن تقرير الإدارة في ما يخصّ العجز المتراكم في صندوق المرض والأمومة وحده… 1475 مليار ليرة لبنانية، موزعة ما بين سلف استثنائية مدفوعة للمستشفيات وغير مصفّاة بمعاملات منذ عام 2011 بقيمة 1120 مليار ليرة وفوائدها غير المصفّاة بقيمة 169 مليار ليرة (هي في تقرير الإدارة صفر). وهذه تشكل قيمة المأخوذات الحقيقية من أموال نهاية الخدمة غير المقيدة تحت باب إنفاق صندوق المرض والأمومة. ويضاف إليها الاحتياطي الإلزامي في الصندوق والبالغ 186 مليار ليرة.
في الخلاصة، يقول تقرير لجنة الشؤون المالية إن العجز «الحقيقي» المتراكم في «المرض والأمومة» هو بقيمة 3 آلاف و543 مليار ليرة، وليس 2068 مليار ليرة، منها 3357 مليار ليرة «سحوبات» من صندوق تعويض نهاية الخدمة وحده، أي ما نسبته 24% من تعويض نهاية خدمة مواطنين يدفعون اشتراكاتهم بدمهم. فيما البقية مال «الاحتياطي» الذي يفترض قانوناً ألّا يمسّ.
من تلك الحسبة، يمكن الخروج بخلاصة أخرى، أشدّ قتلاً، وهي أن «الأموال الجاهزة» الموجودة فعلياً في حسابات صندوق نهاية الخدمة تبلغ 11 ألفاً و28 مليار ليرة لبنانية، وليس 12 ألفاً و211 مليار ليرة (وهنا، ثمة فارق بين الرقمين يقدّر بـ 1183 مليار ليرة). وهي في معظمها أموال «موجودة في المصارف وفي سندات الخزينة وجميعها بالليرة اللبنانية». مع ما يعني ذلك من مخاطر تقع مسؤوليتها على إدارة الضمان التي لم تنوّع «محفظة الاستثمار» لديها، وذلك عن طريق تحويل لغاية 20% من أموال التعويضات إلى العملة الأجنبية. ماذا يعني ذلك؟ زيادة مخاطر فقدان قيمة التعويضات مع تدنّي سعر الليرة. وهو ما يحصل اليوم. أما المسؤولية الأخرى التي تقع على الإدارة أيضاً، فهي أنها «لم تقم حتى الآن باقتراح تشريع بشكل فوري يستثني أموال المضمونين المودعة في المصارف وعلى شكل سندات خزينة من أي اقتطاع محتمل haircut».
على أن الخلاصة لم تنته بعد، فالتتمة الباقية ستقود إلى عجوزات أخرى غير محسوبة في المرض والأمومة، تلك التي يدفع ثمنها صندوق تعويض نهاية الخدمة. فتقاعس الدولة عن دفع ما يتوجب عليها من اشتراكات وتعهدات للضمان، معطوف عليه سوء الإدارة، دفع إلى الخيار المرّ: الاقتراض الداخلي. وهو خيار خاطئ بطبيعة الحال، وخصوصاً أن التسديد لن يكون بسهولة السحب. فما سُحب قد سحب، لكن كيف التعويض؟
ما هو معروف اليوم أن العجز المتراكم في المرض والأمومة، بحسب تقرير اللجنة، هو 3 آلاف ونصف مليار مليار، من دون إضافة التتمة التي تساوي 1182 مليار ليرة موزعة ما بين 221 مليار ليرة قيمة معاملات استشفاء غير مدفوعة و961 مليار ليرة قيمة معاملات مضمونين مقدّرة وغير مدفوعة، ما «يجعل العجز المتراكم الحقيقي نهاية عام 2018 ما قيمته 4 آلاف و725 مليار ليرة»، أي ما يوازى 33% من احتياطي تعويض نهاية الخدمة!
وانطلاقاً من هنا، يمكن تفصيل حال صندوق المرض والأمومة وما له وما عليه. فهذا الأخير، بحسب تقرير اللجنة، يعاني عجزاً بقيمة 149 مليار ليرة، وهي قيمة الفارق بين إيراداته وتقديماته والفوائد التي يدفعها نتيجة الاقتراض. ففي وقت بلغت فيه ايراداته (عام 2018) نحو 967 مليار ليرة، بلغت قيمة التقديمات الصحية والإدارية المدفوعة 949 مليار ليرة، و167 مليار ليرة قيمة الفوائد المدفوعة نتيجة الاقتراض من صندوق تعويض نهاية الخدمة.
إلى تلك القائمة من العجز، يصبح من المفيد العودة إلى السلف الاستثنائية التي تُمنح للمستشفيات. فهذه الأخيرة تعرّي حال «الشغل» في الضمان. في القانون، بحسب الأنظمة المالية، يفترض أن يكون التعاطي بشكلٍ آخر. إذ إنه يفترض بمعاملات الاستشفاء أن تتبع مساراً واضحاً من التصفية، إلى التدقيق، إلى صرف الأموال. ما يجري اليوم أن النقص الفادح في أعداد الموظفين في الضمان يجعل من الصعب اتباع المسار القانوني، فيصبح اللجوء إلى السلف الأمر السهل. وعلى هذا الأساس، يجري العمل في الضمان على أساس «بعطيك سلفة وبس صفيلك معاملاتك بعطيك». أما الأخطر من كل ذلك، فهو أن هذه السلف المتراكمة عاماً بعد آخر «باقية خارج التقرير المالي»، بحسب المتابعين للملف.
لماذا يحصل كل هذا؟ ثمة أسباب كثيرة، لكن رأس حربتها هو الدولة ممثلة بوزارتَي المال والعمل. فهذه الأخيرة وبدلاً من أن تحفظ مؤسساتها، وتحفظ حقوق «موظفيها» كأكبر صاحب عمل، تذهب في اتجاه حرمانهم من تعويضاتهم، نتيجة تلكؤها في دفع ما في ذمتها. في السنوات الأخيرة، صارت الدولة في تعاطيها مع الضمان «تنقّط تنقيط»، وما يعني ذلك من «تسكير إيرادات أساسية» عمادها رب العمل الأكبر.
ولئن كان يمكن تطبيق المادة 81 من قانون الضمان الاجتماعي على المؤسسات، من خلال رفع شكوى ضدها وفرض غرامات والحجز على ما تملكه، لا يمكن تطبيق تلك الحالة على الدولة. فلا بالقانون ولا بغيره، ثمة «ممسك» على الدولة، التي تدين لفرع المرض والأمومة وحده بـ 2370 مليار ليرة و675 مليار ليرة غير مؤكدة التحصيل، كصافٍ من ديون المشتركين.

العجز «الحقيقي» المتراكم في «المرض والأمومة» هو بقيمة 3 آلاف و543 مليار ليرة وليس 2068 ملياراً

لا يعني ذلك إعفاء الصندوق من مسؤولياته، فسوء الإدارة في هذا المرفق أوصل الحال إلى ما هي عليه. وللتدليل على هذا الأمر، يمكن إيراد البند المتعلق بالإنفاق الصحي في الضمان والذي تشكل نسبة الزيادة فيه سنوياً 7%، فضلاً عن الإنفاق «غير الرشيد والهدر الناجم عن الفاتورة الدوائية وضعف الرقابة الطبية وغياب المعايير العلمية في تسعير الخدمات الصحية وضعف الشفافية والمحاسبة». وهذا جزء من الأسباب المزمنة التي يعانيها الصندوق، والذي يورده تقرير اللجنة أخيراً.
هذا ما يؤكد بأن المشكلة في الصندوق ليست نقدية بقدر ما هي بنيوية، وهو ما يؤكده رئيس لجنة الشؤون المالية الدكتور عادل عليق، معتبراً أنه «حتى لو دفعت الدولة ما عليها، سيبقى هناك عجز في الصندوق». وهو حذّر من مغبة الاستمرار بهذا النهج وعدم ضبط الإنفاق، مؤكداً أن الأولى اليوم هو «التحرك من أعلى المستويات لمعالجة وضع الضمان الاجتماعي، وإلا فالسنوات المقبلة تهدد وجوده».
يُذكر أن تقرير لجنة الشؤون المالية، المسجّل في كانون الثاني من العام الجاري، استند في تحقيقاته إلى كتاب الإدارة (تشرين الثاني 2019) حول الوضع المالي للصندوق ومحضر لجنة الشؤون المالية (تشرين الثاني الماضي) ومحضر آخر (كانون الثاني الماضي) ومستند الأسئلة الموجّهة إلى الإدارة، إضافة إلى مستندات ماليّة واردة من الإدارة تعود للعامين 2017 و2018

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
المجذوب يطلب ترخيص فروع "اللبنانية الدولية" إرضاءً لمراد... تغييب جامعات تاريخية واستنساخ لتجربة دياب 2012

المجذوب يطلب ترخيص فروع "اللبنانية …

تموز 03, 2020 78 مقالات وتحقيقات

دياب جمع المجذوب وأيوب والخلاف مستمر حول ملفات الجامعة وزير التربية يتمسك بصلاحياته ويطلب إزالة الشوائب في التفرغ

دياب جمع المجذوب وأيوب والخلاف مستمر حول…

حزيران 30, 2020 83 مقالات وتحقيقات

وزارة العمل «ترقّع» نظام الاستعباد! عقد موحّد للعاملات الأجنبيات

وزارة العمل «ترقّع» نظام الاستعباد! عقد …

حزيران 28, 2020 104 مقالات وتحقيقات

العاملون في المستشفيات الحكومية يعتصمون مطالبين بحقوقهم

العاملون في المستشفيات الحكومية يعتصمون …

حزيران 23, 2020 122 مقالات وتحقيقات

الوضع التربوي مأزوم: إقفال 16 مدرسة لـ"المقاصد" وخوف على رواتب "المبرّات" وقلق في الإنجيلية!

الوضع التربوي مأزوم: إقفال 16 مدرسة لـ…

حزيران 23, 2020 192 تربية وتعليم

مدارس الليسيه تضغط على الدولة: «اقتلاع» معلّمين و«رمي» تلامذة على لوائح الانتظار

مدارس الليسيه تضغط على الدولة: «اقتلاع» …

حزيران 22, 2020 220 مقالات وتحقيقات

مكننة الضمان :الشركة تسعى إلى مضاعفة مدّة العقد ورفع قيمته ثلاثة أضعاف

مكننة الضمان :الشركة تسعى إلى مضاعفة مدّ…

حزيران 22, 2020 130 مقالات وتحقيقات

آخر إبداعات الحكومة: اقتراح إلغاء الدعم عن المحروقات والخبز

آخر إبداعات الحكومة: اقتراح إلغاء الدعم …

حزيران 22, 2020 130 مقالات وتحقيقات

بين ليلة وضحاها كل شيء اختفى"... طب…

حزيران 18, 2020 161 مقالات وتحقيقات

المحاصصة أولاً: «مراكز فائضة» لكتّاب العدل توقيع مرسوم استحداث «مراكز فائضة» لكُتّاب بالعدل: المحاصصة أولاً!

المحاصصة أولاً: «مراكز فائضة» لكتّاب الع…

حزيران 18, 2020 154 مقالات وتحقيقات

الإضراب يهدّد الخدمات: رواتب موظّفي الخلوي الجمعة؟

الإضراب يهدّد الخدمات: رواتب موظّفي الخل…

حزيران 17, 2020 163 مقالات وتحقيقات

أوامر الرؤساء لا تحمي الليرة

أوامر الرؤساء لا تحمي الليرة

حزيران 17, 2020 167 مقالات وتحقيقات

اقتراح تحويل المنح التعليمية إلى المدارس: ماذا لو دفع الأهالي الأقساط؟

اقتراح تحويل المنح التعليمية إلى المدارس…

حزيران 15, 2020 178 مقالات وتحقيقات