أربعة وأربعون بالمائة من المتخرجين الجامعيين عاطلون عن العمل... سركيس: السبب فوضى الجامعات وعدم مواءمة السوق

نيسان 01, 2020

النهار-1-4-2020

غدي حداد 

اعدت مؤسسة الانماء التربوي دراسة عن بطالة الجامعيين في لبنان، سبقت ازمة الكورونا التي اصابت البلد كما العالم. وقد اظهرت الارقام ان نسبة العاطلين عن العمل من الجامعيين تصل إلى %44. وتبين ايضا ان نسبة العاطلين عن العمل من حملة الشهادة الجامعية الاولى هي الاعلى، اذ تصل الى %48، وحملة الماجستير %38، بينما حملة الدكتوراه %23. وترى الدكتورة فيروز فرح سركيس ان المشكلة تنبع من الجامعات اولا، ومن الاختصاص ثانياً.

من المعلوم ان مؤسسات التعليم العالي في لبنان تضاعف عددها خلال خمسة عشر عاماً. وهذا غير مسبوق في قطاع كهذا في اي دولة، إذ ان من اهم أدوار هذا القطاع تزويد القطاعات المختلفة الموارد البشرية التي تتمتع بالجودة العالية والمواصفات المطلوبة في سوق العمل. ومع ازدياد عدد الجامعات تضاعف عدد الطلاب الملتحقين حتى وصل إلى أكثر من مئتي الف طالب منهم نحو مئة وعشرين ألفاً في الجامعات الخاصة. كما وصل عدد خريجي مؤسسات التعليم العالي سنوياً الى نحو خمسة وثلاثين ألفاً، في حين ان ما تستطيع سوق العمل في لبنان استيعابه لا يتجاوز ثمانية آلاف في أحسن الأحوال.

ان بطالة الجامعيين تتعدى مفهوم قلة الوظائف في سوق العمل. فهناك عدم المواءمة بين حاجات سوق العمل وتخصص الخريجين، والعنصر الآخر هو عدم رضى ارباب العمل عن كفاءات الخريجين والقول إن لبنان يخرّج ليس فقط للسوق الداخلية بل للمحيط العربي لا سيما دول الخليج. هذا الإعتقاد لم يعد في محله إذ إن سوق العمل في دول الخليج أصبحت ضعيفة لاسباب امنية واقتصادية خصوصا بعد انخفاض اسعار البترول، اضافة إلى منافسة الأيدي العاملة الآسيوية وبخاصة في قطاع التكنولوجيا.

من جهة اخرى، وبعد الازدياد الكبير في عدد الجامعات من دون اي رقابة، تبين الضعف في مؤهلات خريجي عدد كبير من الجامعات، ما أدى الى تراجع الإقبال على توظيف خريجي الجامعات اللبنانية. ففي دراسة أجرتها UNDPعام 2016 بينت انه رغم ان هنالك شهادات جامعية كثيرة الا ان ارباب العمل يشكون من عدم حصول الخريجين على المهارات المطلوبة.
...
ان الهدف من هذه الدراسة هو الاضاءة على نسبة الجامعيين العاطلين عن العمل نساء ورجالا، ومستويات الوظائف التي يتقدمون اليها ومستوى الشهادات التي يحملون.

ففي غياب دراسات رسمية حول موضوع بطالة الجامعيين استعملت الدراسة للحصول على المعلومات طريقتين: اولاهما عدد المتقدمين الى الوظائف بناء على إعلان من قبل مؤسسات كبيرة، والطريقة الثانية هي المتقدمون الى وظائف في مؤسسات توظيف جدية.

تألفت العيّنة من نحو 3150 طالب وظيفة يحمل شهادة جامعية لسنتي 2018-2019 (حتى شهر حزيران 2019). واعتمدت الدراسة عدد الذين لم يكن لديهم أي عمل لدى تقدمهم الى الوظيفة وليس الذين يتقدمون بدافع تحسين وضعهم الوظيفي.

- جرى تصنيف الجامعيين العاطلين عن العمل كالآتي:

- نسبةً الى مستوى الشهادة التي يحملون، أي مستوى المرحلة الأولى (إجازة BA) أو مستوى الدراسات العليا (ماجستير MA) او (دكتوراه PHD).

- مستوى الوظيفة : قيادية او وسطى او مساعدة (تعليم جامعي، مساعد مدير، رئيس قسم مختص، محاسب وسكرتير تنفيذي...).

- الجندر (انثى أو ذكر).

تبين عيّنة الدراسة ان نسبة العاطلين عن العمل من الجامعيين تصل الى 44٪، وهذه النسبة غير بعيدة عن الاحصاءات الرسمية، اذ ان احصاءات ادارة الاحصاء المركزي التي نشرت عام 2019 بينت ان نسبة العاطلين عن العمل الذين تبلغ اعمارهم ما بين 15-24 سنة من الجامعيين، بلغت 35%، وهذه النسبة هي اكثر ما تعكس الخريجين الجدد. بينما تضمنت عينة الدراسة جميع حملة الشهادات من قدامى وجدد. وتبين الدراسة ان نسبة العاطلين عن العمل من حملة الشهادة الجامعية الاولى هي الاعلى، اذ تصل الى 48%، وحملة الماجستير 38%، بينما حملة الدكتوراه 23%. وبالنسبة الى الجندر، فنسبة العاطلين عن العمل من النساء هي اكثر قليلا من الرجال اذ بلغت 46٪ للنساء مقابل 41٪ للرجال.

اما بالنسبة الى الوظيفة والشهادة، فاذا اخذنا وظائف قيادية فان نسبة العاطلين عن العمل المتقدمين الى وظيفة مدرس جامعي من حملة البكالوريوس او الاجازة وصلت الى 37٪ والى 31٪ لحملة الماجستير وتدنت الى 11٪ لحملة الدكتوراه، وهذا متوقع اذ ان من المفروض ان تكون الهيئة التعليمية في الجامعات من حملة الدكتوراه، لكن عددا كبيرا من الجامعات الجديدة يعتمد على حملة البكالوريوس والماجستير مما حدا بكثير من هذه الفئة الى التوجه الى التعليم العالي علما ان هذه السوق لا تحتاج الى اعداد كبيرة. اما المتقدمون الى وظيفة مساعد مدير، فان نِسب العاطلين عن العمل من حملة البكالوريوس والماجستير أتت متقاربة 28٪ و29٪، فالمؤسسات تطلب لوظيفة كهذه إما حملة ماجستير او حملة بكالوريوس ولكن مع خبرة طويلة، بينما حملة الدكتوراه المتقدمون الى هذه الوظيفة تتدنى نسبة البطالة لديهم لتصل الى 7٪. وتنعكس هذه النسبة لحملة الدكتوراه لدى تقدمهم الى وظيفة رئيس قسم لتصل الى 46٪ بينما تتدنى بالنسبة الى حملة البكالوريوس والماجستير الى 23٪ و21٪ تباعا، وهذا يدل على ان المؤسسات ليست بحاجة الى حملة دكتوراه بالنسبة الى الوظائف غير القيادية. اما بالنسبة الى الوظائف الاخرى من متوسطة ومساعدة، فنسبة العاطلين عن العمل هي الاعلى لحملة الماجستير لتصل الى 45٪، وهذا يدل على ان حاملي البكالوريوس الذين لا يجدون عملا يتوجهون الى الحصول على الماجستير لاعتقادهم انها اضمن للحصول على وظيفة وبراتب اعلى، ولكن في بلد كلبنان حيث معظم الشركات هي عائلية ودون عشرة موظفين، فمن غير المرجح التوظيف وبرواتب مرتفعة كما يتمنى اصحاب الشهادات العليا.

وبالنسبة الى الوظيفة والجندر، فمن الملاحظ ان نسبة العاطلين عن العمل من النساء هي اقل من الرجال في مجال التدريس الجامعي ووظيفة مختص برمجة، كما ان أعداد المتقدمين من النساء الى هذه الوظائف هي اقل من الرجال، بينما نسبة العاطلين عن العمل من النساء هي اعلى في مجال رئاسة القسم والسكرتاريا. والملاحظ ان نسبة الرجال المتقدمين الى وظيفة سكرتاريا قليلة جدا بالنسبة الى النساء وكأن هذه الوظيفة اصبحت حكراً عليهن.

وفي المحصلة، فان فوضى قطاع التعليم العالي وغياب الاستراتيجية في هذا القطاع الاساسي ساهما بدرجة كبيرة في بطالة خريجي الجامعات، اضافة الى الازمة المالية التي يعيشها لبنان منذ ثلاث سنوات. وانتهى الامر بالمتميزين الى الهجرة. اما الباقون فمصيرهم البطالة، علما ان هذه الدراسة اجريت قبل الانتفاضة. ومن المعروف ان نسبة العاطلين عن العمل بعد حزيران 2019 ازدادت كثيرا بعد ازدياد تسريح عدد كبير من الموظفين من المؤسسات، كما ان اصحاب المصالح الخاصة عمدوا الى اقفال مؤسساتهم بسبب تدهور الوضع الاقتصادي. فاذا كانت الدراسة حتى حزيران 2019 بينت 44٪ بطالة جامعيين، فمن الطبيعي اذاً ان تصل نسبة العاطلين عن العمل من الجامعيين الى ارقام خطرة غير محددة في نهاية 2019.

في ضوء النتائج والخلاصات، سألت "النهار" رئيسة مؤسسة الانماء التربوي الدكتورة فيروز فرح سركيس عما اذا خلصت الى دعوة الشباب الى عدم التحصيل الجامعي والاتجاه الى التعليم المهني، لتجيب "من الاكيد ان هناك حاجة ماسة لمتخرجي التعليم المهني لا سيما في الصناعات الخفيفة التي ينتجها لبنان والتي ستزداد اثر الازمة الاقتصادية والصحية لكن المطلوب في هذا القطاع نهضة وتعديل برامج بمشاركة ارباب العمل بدل انتاج برامج توضع بطريقة مكتبية كما يحصل دائما. فالنهضة الاقتصادية في اي بلد تتطلب التحاق ما لا يقل عن 40% من خريجي المرحلة الثانوية بالتعليم المهني والتقني العالي اذا كان مواكبا لسوق العمل. لكن هذا الموضوع لا يلغي اهمية التعليم الجامعي والتخصصات المطلوبة لسوق العمل، فلا يمكن ان يقوم الاقتصاد من دون كوادر وسطية او عليا. وينبغي القول ان تطوير التعليم المهني لا يتعارض مع التعليم الجامعي المطور ايضا والمواكب للحداثة لان بعض التعليم الجامعي قد يكون اسوأ واكثر ضررا على المجتمع اذا لم يتمتع المتخرجون بالمستوى العلمي العالمي.

وردا على سؤال" انطلاقا من خبرتك الطويلة في ادارة التعليم الجامعي هل من الممكن توجيه الطلاب الى المجالات الاكثر طلبا في سوق العمل؟"، تجيب "ان اشكالية اختيار التخصص تكمن في متطلبات سوق العمل المتغير وضعف التعاون بين الجامعات والقطاع الانتاجي. فالجامعات، او بعضها، تطرح برامج غير متطابقة مع متطلبات سوق العمل كما انه من المهم اختيار الجامعة التي تقدم برامج جيدة وتعليم جيد، اذ ان ضعف مؤهلات الخريجين عامل اساسي في بطالة الجامعيين كما في الدراسة السابقة الذكر. من جهة اخرى هنالك رغبة الطالب وجديته اذ ان هناك تخصصات مطلوبة في سوق العمل تقدمها بعض الجامعات الجيدة، لكن الطلاب لا يقبلون عليها بل يهربون الى تخصصات لا تتطلب جهدا، مثل تخصص برمجة الكومبيوتر وهندسة البرمجيات المطلوب ليس فقط في لبنان بل في جميع الدول وعدد الطلبة الملتحقين بهذا البرنامج قليل. هنالك ايضا توجهات جديدة ادخلت على بعض التخصصات مثل التسويق الالكتروني، لذا من المهم اختيار البرامج المطورة دائما فتخصص ادارة الاعمال مثلا ادخلت عليه ميادين كثيرة مواكبة لسوق العمل في بعض الجامعات بينما بقي تقليديا في جامعات اخرى. ولا ننسى تخصص التمريض الذي اصبح حاجة ليس فقط في لبنان بل في مختلف البلدان العربية والاوروبية، وثمة تقارير تشير الى حاجة العالم الى نحو 9 ملايين ممرضة وممرض في العام 2030.

ونسأل:هل لا يزال ممكنا اصلاح الوضع الجامعي بعد فورة الجامعات في الاعوام الاخيرة وعدم مراقبتها الفعلية وكيف؟

- ان الوضع السياسي المهيمن على جميع القطاعات بما فيها التعليم العالي لم يسمح باي اصلاح الى الان واستمر اعطاء تراخيص لجامعات جديدة وفروع جديدة واختصاصات جديدة من دون اي متابعة لما يجري على ارض الواقع، واحيانا كثيرة تأتي التراخيص تشريعا للامر الواقع من دون تقدير نتائج تلك السياسات او بالاحرى الانعكاسات السلبيةعلى المجتمع والاقتصاد. ان اصلاح الوضع يتطلب قرارأ سياسيا وخطة تقنية. القرار السياسي باغلاق مؤسسات التعليم العالي التجارية التي لا تقدم تعليم بالمواصفات المطلوبة والكثير منها اصبح معروفا بعد الفضائح الاخيرة، ومن ثم دراسة اوضاع باقي الجامعات واتخاذ القرارات المناسبة. وبات معلوما ان الجامعات العريقة وتلك الاحدث سنا والجيدة المستوى، لا تستطيع ان تقوم بتكاليف التعليم الجيد من هيئة تدريس الى مختبرات متطورة ومكتبات ووسائل بحث من خلال اقساط الطلبة بل انها تحتاج باستمرار الى دعم من الدولة، او من طريق التبرعات واجراء شراكة مع المؤسسات الانتاجية التي تدعم الكثير من الجامعات في مشاريع الابحاث والمنح الدراسية. اما القرار التقني فيتمثل بتحديد عدد الطلبة المرشحين للقبول في كل جامعة نسبة لقدرتها على تقديم مستوى التعليم المطلوب الذي يتطلب كما ذكرنا هيئة تعليمية مؤهلة وتجهيزمكتبات ومختبرات الى جانب انظمة ضمان جودة لمتابعة الشؤون الاكاديمية وشؤون الطلبة فكثير من الدول بما فيها بعض الدول العربية بات يتبع هذا النظام لنوع من الضبط والمراقبة

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
حصة دعم كهرباء لبنان من الدين العام: فوضى وهدر منظم بفضل التوارث الوزاري

حصة دعم كهرباء لبنان من الدين العام: فوض…

أيار 22, 2020 35 مقالات وتحقيقات

نفوذ سياسي وديني خارج الرقابة : كارتيل المدارس»: الأمر لنا!

نفوذ سياسي وديني خارج الرقابة : كارتيل ا…

أيار 20, 2020 60 مقالات وتحقيقات

كفى تمويهاً

كفى تمويهاً

أيار 15, 2020 291 مقالات وتحقيقات

تعليم أطفال النازحين: «التربية» تقبض بالدولار وتدفع باللبناني

تعليم أطفال النازحين: «التربية» تقبض بال…

أيار 13, 2020 115 مقالات وتحقيقات

نحو مدارس بديلة بإدارة الأهل والبلديات

نحو مدارس بديلة بإدارة الأهل والبلديات

أيار 13, 2020 109 مقالات وتحقيقات

أزمة التعليم العالي ستكون الأخطر لعقود مقبلة تراجع مستوى التعلم يؤثر سلباً في النمو الاقتصادي

أزمة التعليم العالي ستكون الأخطر لعقود م…

أيار 13, 2020 111 مقالات وتحقيقات

قراءة قانونية في ما تضمّنته الخطة الاصلاحية للحكومة مرقص: "الورقة" تدمّر القطاع المصرفي وتضرب الدستور

قراءة قانونية في ما تضمّنته الخطة الاصلا…

أيار 12, 2020 111 مقالات وتحقيقات

المجذوب خضع للمدارس رغم تحذيرات الخبراء الصحيين!

المجذوب خضع للمدارس رغم تحذيرات الخبراء …

أيار 11, 2020 121 مقالات وتحقيقات

«كارتيل» المدارس الخاصة يحتجز التلاميذ على خطى المصارف وبغطاء من وزير التربية

«كارتيل» المدارس الخاصة يحتجز التلاميذ ع…

أيار 11, 2020 120 مقالات وتحقيقات

ملف الفيول المغشوش نحو اللفلفة بدخول لاعبين جدد عقود جديدة... وموظفون في المنشآت "كبش محرقة

ملف الفيول المغشوش نحو اللفلفة بدخول لاع…

أيار 06, 2020 211 مقالات وتحقيقات

متعاقدون مستقلون في "اللبنانية": لجنة الأحزاب لا تمثلنا

متعاقدون مستقلون في "اللبنانية…

أيار 05, 2020 174 مقالات وتحقيقات

سركيس حليس يتوارى عن الأنظار | الفيول المغشوش: موظّفون يقرّون برشى بمئات آلاف الدولارات

سركيس حليس يتوارى عن الأنظار | الفيول ال…

نيسان 29, 2020 716 مقالات وتحقيقات

«الموجة الأولى» من الأضرار: ثلث العمّال فقدوا وظائفهم

«الموجة الأولى» من الأضرار: ثلث العمّال …

نيسان 29, 2020 683 مقالات وتحقيقات

كفى دجل وأستهبال،  رياض سلامة ركن من منظومتكم، والمطلوب إسقاط كل  منظومة النهب

كفى دجل وأستهبال، رياض سلامة ركن من منظ…

نيسان 28, 2020 890 مقالات وتحقيقات

المستأجرون يطالبون بتعليق المهل في الإيجارات والمالكون يرفضون... ويطالبون بتفعيل عمل اللجان

المستأجرون يطالبون بتعليق المهل في الإيج…

نيسان 28, 2020 669 مقالات وتحقيقات