السلوكيات المؤذية للنساء في المجتمع اللبناني بنيوية وليست فردية العُنف التشريعي يُعزّز التمييز ضد النساء

حزيران 22, 2018

 

الأخبار | هديل فرفور | الجمعة 22 حزيران 2018|

السلوكيات العنيفة والمؤذية، بكل أنواعها، ضد المرأة لا تزال راسخة في مجتمعنا اللبناني. والعنف الممارس ضدّ المرأة ليس «فرديا»، وإنما عنف «هيكلي» يقف خلفه «عنف تشريعي» يتغطّى بنظام بطريركي وبسيطرة المحاكم الدينية وغياب قانون مدني موحد للأحوال الشخصية

«وقّع لبنان غالبية الإتفاقيات الدولية المرتبطة بعدم التمييز بين النساء والرجال في لبنان إلّا أنه تحفّظ على البنود التي تمسّ بخصوصية قوانين الأحوال الشخصية». لعلّ هذه العبارة التي وردت في دراسة «المُساواة بين الجنسين في لبنان/ واقع، تحدّيات وآفاق 2000 ــــ 2018»، التي أطلقها معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدّة للسكان، في السراي الحكومي أمس، تختصر أبرز مكامن الخلل على صعيد المساواة بين الجنسين: سيطرة المحاكم الدينية وهيمنة النظام البطريركي وغياب قانون مدني موحد للأحوال الشخصية.

لم تصوّب الدراسة، بشكل مباشر، على النظام البطريركي بوصفه السبب الأساسي لانعدام المساواة، لكنّها خلصت إلى أن التمييز لصالح الرجل ما زال واضحا وبارزا في النصوص القانونية، مُشيرةً إلى ما سمّته «العنف التشريعي» الناجم عن خضوع قوانين حماية المرأة من العنف لهيمنة السلطة البطريركية، من دون أن تُغفل مسؤولية المحاكم الدينية عن زواج القاصرات الذي يُعد من أبرز الممارسات الضارّة التي تتعرّض لها الفتيات في لبنان، «وهي ممارسات مرتبطة بالقيم القائمة على النظام البطريركي الذي يعتبر أن ولاية الاب على ابنته ولاية جبرية». 

الدراسة التي تُعدّ بمثابة تشخيص أولي لواقع لبنان في موضوع المساواة بين الجنسين وفق الهدف الخامس من أجندة الامم المتحدة للتنمية المُستدامة عام 2030 (المتعلّق بـ«تحقيق المُساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات»)، توصّلت إلى خلاصة واضحة، مفادها أنّ العنف ضد المرأة ليس نتاج سوء سلوك فردي او تصرّف عفوي فقط، «بل هو نتاج فعل متجذر بعمق في هيكلية العلاقة القائمة على عدم المُساواة المجتمعية بين النساء والرجال». ولفتت إلى جملة قوانين عزّزت التمييز القائم كقوانين الاحوال الشخصية، الجنسية، العقوبات، الضمان الإجتماعي، العمل، المحاكمات المدنية، وقوانين التجارة والتوريث.

تهدف الدراسة، بحسب مُعدّيها، إلى فهم المجتمع من خلال الأبحاث والدراسات والمقالات والتقارير التي تناولت النوع الإجتماعي والمُساواة بين عامي 2000 و2018، «لتحديد مدى التثاقف الوطني بالرؤية التنموية الدولية منذ ظهور الأهداف الألفية للتنمية المُستدامة عام 2000 وصولا إلى الاجندة عام 2030». وارتكزت على قراءة ستة قطاعات: التمييز ضدّ المرأة، العنف ضدّ المرأة، الزواج المُبكر والزواج القسري وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث، العمل المنزلي غير المدفوع الأجر، مُشاركة المرأة في الحياة السياسية العامة، وأخيرا الحقوق الإنجابية والصحة الجنسية. 

واللافت ما أشارت اليه الدراسة من أن «السلوكيات العنيفة والمؤذية ضد المرأة ما زالت راسخة في مجتمعنا اللبناني ويمكن تصنيفها ضمن إطار عدم المساواة بين الجنسين»، رغم التطور الحاصل على مستوى التزام لبنان بمواثيق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان وإتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

مؤشرات العنف في المجتمع اللبناني

وتوصّلت الدراسة حضور كل مؤشرات العنف في المجتمع اللبناني، منها العنف الجسدي الذي قد يصل الى حدّ القتل، العنف الجنسي، العنف الإقتصادي، العنف اللفظي، التحرّش في مكان العمل. إلى ولفتت الى «العنف التشريعي»، إذ أنّ تعديل القوانين لحماية المرأة من العنف لا يزال يخضع لهيمنة السلطة البطريركية.

95% من الافراد المعنّفين داخل الأسرة من النساء و80% من ضحايا العنف المنزلي هن أيضا ضحايا الاغتصاب الزوجي

وبحسب الدراسة، فإنّ 95% من الافراد المعنّفين داخل الأسرة هم من النساء مقابل 5% من الرجال، وأنّ 80% من النساء اللواتي كن ضحايا العنف المنزلي هن أيضا ضحايا الاغتصاب الزوجي. المُفارقة أن 9.7% من النساء في لبنان يبررن للزوج الحق في الضرب في حالات محددة (منها إهمال الأطفال، الخروج من المنزل دون إعلام الزوج، احراق الطعام). وتعزو الدراسة سببب قبول المرأة في المجتمع اللبناني بكل هذا العنف إلى أسباب عدة أبرزها ضعف القانون الحالي الذي يحمي المرأة من العنف «لأنه لا يطبق بشكل فعلي، الامر الذي يمنع المرأة من المطالبة بحقها بسهولة»، فضلا عن «هيمنة ثقافة النظام البطريركي في المجتمع، خاصة أنّ المعايير والمبادئ والمعارف الضمنية والظاهرية التي تهيكل وتنظّم كل مجتمع انساني هي نتاج بناءات اجتماعية ثقافية».

الزواج المُبكر ليس ظاهرة 

ووفق الدراسة، فإن البيانات المتوفّرة تفيد أن «من المبكر تصنيف زواج القاصرات اليوم ضمن خانة الظواهر الاجتماعية في لبنان». 

وعزت عدم جزم توصيف الزواج المُبكر إلى «حصر عقد الزواج بالمحاكم الشرعية التي تشرّع الزواج دون سن الثامنة عشرة»، لافتة إلى غياب شامل للاحصاءات حول أعداد الفتيات اللواتي يتم تزويجهن وهن قاصرات، «فالمحاكم الشرعية والمذهبية المخولة إتمام عقد الزواج غير ملزمة او مهتمة بتقديم ارقام او احصاءات دورية عن عقود الزواج التي تتممها». إضافةً إلى أنّ هناك عادة شائعة في لبنان تتمثّل بعدم التسجيل المباشر للزواج المبكر بشكل رسمي في دائرة النفوس الا بعد بلوغ الفتاة السن القانوني للزواج. وذكرت الدراسة أن 2.1% من الفتيات تزوجن قبل سن الخامسة عشرة و13.4% قبل سن الثامنة عشرة، مُشيرةً إلى أن زواج القاصرات مُرتبط بالنظام الابوي الذي يحدّ من إمكانية المرأة والفتاة في تحديد مصيرها. وهذا النظام «يتم تبنيه من قبل المرأة نفسها في إطار تربيتها لأولادها فتعيد بنفسها إنتاج النظام نفسه الذي يقمعها وتنقل الام كل ذلك لا من باب الاساءة لابنتها بل خوفا عليها من المجتمع عند مخالفة نظامه».

4% نسبة المُشاركات في الحياة السياسية

تحت خانة العمل المنزلي غير المأجور، لفتت الدراسة الى أنّ النساء اللواتي يخترن العزوف عن العمل خارج المنزل أو يخترن القيام بأعمال مأجورة بدوام جزئي بسبب التزامهن القيام بكافة الأعمال المنزلية يتعرّضن لجملة من التبعيات السلبية كالفقر والتهميش وعدم تحقيق الذات.

ورغم أن النساء يمثلن نصف عدد السكان في لبنان، «إلّا أن بيانات سوق العمل أظهرت أنّ معدل النشاط الاقتصادي بلغ فقط 23% للنساء، أي ثلاث مرات أقل من الرجال». و«وبالرغم من التغير النسبي في مكانة المرأة في الأسرة اللبنانية لجهة التعليم ومساهمتها في دخل الأسرة والانفتاح على العادات والتقاليد، إلّا أن ذلك لم يؤثر حتى الآن بصورة جلية على توزيع الادوار ضمن الاسرة، بل بقي عمل المرأة الاساسي هو ربة منزل وبقي دورها رعائيا».

وحول مشاركة المرأة في الحياة السياسية ، يبدو أيضا أنّ المفاهيم الوطنية حول المساواة في الحقوق المدنية والسياسية لا تُترجم واقعا. فمنذ عام 1952، تاريخ حصول المرأة على حق التصويت في لبنان، بقيت نسبة النساء اللواتي شغلن مقاعد برلمانية منخفضة لا بل مهمشة بحيث لا تتخطى نسبة النساء الـ3% أو 4% من إجمالي عدد النواب. وحتى هذا الوصول كان في معظم الأحيان «نتيجة لارث سياسي او إرث عائلي».

وختمت الدراسة بالاشارة إلى نقاط الضعف على مستوى الواقع، والمتمثلة بأن العمل على مستوى الدلالات الرمزية والافكار المسبقة لا يزال ضعيفا، فضلا عن أنّ تمركز الفقر في الاطراف وفي المناطق الريفية يشكل عائقا جوهريا حول المساواة بين الجنسين. إضافة الى ان انعدام الاستقرار الامني الاجتماعي يتسبب في تقديم المسائل الحياتية الاولية على الوسائل التنموية. وأهم نقاط الضعف التي خلصت اليها الدراسة هي «قلة الدراسات والابحاث المفاهيمية والحقلية في المجتمع اللبناني. وهو أمر يضعف حكما بناء استراتيجية واعية لطبيعة المجتمع وتحولاته».

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
«سوبرمان الصندوق»: أخطر برامج الضمان في يد رجل واحد

«سوبرمان الصندوق»: أخطر برامج الضمان في …

كانون2 28, 2020 2 مقالات وتحقيقات

الدولة تهدر أموالها: السماح بالمقالع ضاعف كلفة المشروع

الدولة تهدر أموالها: السماح بالمقالع ضاع…

كانون2 28, 2020 3 مقالات وتحقيقات

تكتل طلاب الجامعة اللبنانية: للإعفاء من التسجيل بدل جمع التبــرعات

تكتل طلاب الجامعة اللبنانية: للإعفاء من …

كانون2 27, 2020 18 مقالات وتحقيقات

بلديات لبنان نحو الاقفال

بلديات لبنان نحو الاقفال

كانون2 21, 2020 73 مقالات وتحقيقات

تحرُّك للصناعيين الأسبوع المقبل: "آخر صرخة... آخر نفَس

تحرُّك للصناعيين الأسبوع المقبل: "آ…

كانون2 17, 2020 91 مقالات وتحقيقات

الضمان الاجتماعي مهدّد: صفقة المعلوماتية مرشّحة للتمديد

الضمان الاجتماعي مهدّد: صفقة المعلوماتية…

كانون2 16, 2020 133 مقالات وتحقيقات

البطالة "وحش" الأشهر المقبلة و18 ألفاً صُرفوا في 2019 أبو سليمان لـ"النهار": 120 طلباً من شركات للصرف الجماعي

البطالة "وحش" الأشهر المقبلة و…

كانون2 16, 2020 115 عمالية ونقابية

حراك أساتذة اللبنانية يدعو القضاء للتحرك ومواجهة الفساد في الجامعة

حراك أساتذة اللبنانية يدعو القضاء للتحرك…

كانون2 16, 2020 87 مقالات وتحقيقات

الانتفاضة تستعيد زخمها وتواجه تحديات المرحلة الثانية

الانتفاضة تستعيد زخمها وتواجه تحديات الم…

كانون2 15, 2020 149 مقالات وتحقيقات

التهويل بانقطاع الانترنت... أهداف غير معلنة! التسديد من حساب مديرية الاستثمار لدى "المركزي" بالدولار

التهويل بانقطاع الانترنت... أهداف غير مع…

كانون2 15, 2020 88 مقالات وتحقيقات

أزمة الدولار والتجاذبات السياسية تهدد استمرار خدمات الاتصالات والانترنت "أوجيرو" تسجل أرباحاً قياسية في 2019 نتيجة الاستخدام القياسي لـ"الداتا

أزمة الدولار والتجاذبات السياسية تهدد اس…

كانون2 14, 2020 99 مقالات وتحقيقات

صرف جماعي في «لو مول» ومستشفى «الجامعة الأميركية»

صرف جماعي في «لو مول» ومستشفى «الجامعة ا…

كانون2 14, 2020 106 مقالات وتحقيقات

نقص في بطاريات القلب وفلاتر غسيل الكُلى وانقطاع أدوية سرطان

نقص في بطاريات القلب وفلاتر غسيل الكُلى …

كانون2 14, 2020 76 مقالات وتحقيقات

المراسيم التطبيقية: هكذا تعطّل الحكومات القوانين التي يسنّها البرلمان

المراسيم التطبيقية: هكذا تعطّل الحكومات …

كانون2 06, 2020 148 مقالات وتحقيقات

تضامن لبناني مع عصام خليفة ودفاعاً عن الحريات مطالبة بقضاء شفاف ومنع المحاكمة وإدانة سلوك أيوب

تضامن لبناني مع عصام خليفة ودفاعاً عن ال…

كانون2 06, 2020 172 مقالات وتحقيقات

أولويات سلامة لا تتبدّل: حماية الدائنين وسحق الفقراء

أولويات سلامة لا تتبدّل: حماية الدائنين …

كانون2 05, 2020 143 مقالات وتحقيقات

المصارف تبدأ معركتها ضد اللبنانيين.. سطواً على أموالهم؟

المصارف تبدأ معركتها ضد اللبنانيين.. سطو…

كانون2 05, 2020 130 مقالات وتحقيقات

إتحاد نقابات موظفي المصارف في خدمة جمعية أصحاب المصارف وضد الانتفاضة والمودعين الصغار

إتحاد نقابات موظفي المصارف في خدمة جمعية…

كانون2 04, 2020 231 مقالات وتحقيقات

توقيف عصام خليفة: الميليشيات تتحدى الانتفاضة

توقيف عصام خليفة: الميليشيات تتحدى الانت…

كانون2 03, 2020 420 مقالات وتحقيقات