النهار-25-2-2019 

سلوى بعلبكي


ليس جديدا الحديث عن المشكلات التي يعاني منها صندوق الضمان الاجتماعي وتحديدا فرع المرض والامومة المتعثر والذي يعيش على الاقتراض من فرع نهاية الخدمة، بما يشكل خطراً دائماً على المضمونين الذين ينتظرون نهاية خدماتهم للافادة من تعويضاتهم.

في ظل هذه المخاطر بدأ مجلس النواب وعلى خلفية طرح البطاقة الصحية، درس اقتراح القانون المقدم من النائبين ياسين جابر وانور الخليل، والرامي الى تعديل المادة التاسعة من قانون الضمان والذي يقضي بتوسيع مروحة المنتسبين الى فرع ضمان المرض والامومة ليشمل أصحاب العمل ومن في حكمهم، بما يعني وفق العارفين بدقائق الامور "دق المسمار الأخير في نعش صندوق الضمان الاجتماعي". فهل المنطق يقضي بزيادة الاعباء على الصندوق بنسبة تفوق الـ 40% بغية تعطيل البطاقة الصحية، بغض النظر عن النية "الاصلاحية" التي تقف خلف طرح اقتراح هذا القانون والتي تتجلى وفق ما قال النائب ياسين جابر لـ "النهار" بتوحيد المرجعية الصحية بدل فتح باب جديد للهدر تحت مسمى "البطاقة الصحية".

واذا كان العدل يقضي بأن تشمل التغطية الصحية المواطنين كافة، فإن اللافت في اقتراح القانون هو تحديد الاشتراكات المتوجبة على اصحاب العمل ومن حكمهم على اساس المعدل العادي المعمول به على اساس كسب شهري مقطوع ومقداره الحد الاقصى للكسب الخاضع للاشتراكات المعمول به لفرع ضمان والامومة اي مليونين ونصف مليون ليرة، بما يعني أن معدل الاشتراكات التي يدفعها العامل في البلدية وعامل البناء اللذين سيشملهما التعديل موازية للاشتراكات التي سيدفعها الاغنياء وأصحاب المصارف وصاحب العمل الذي يملك على سبيل المثال شركات عدة.

اضافة الى الخلفيات الاساسية لطرح هذا الاقتراح والتي تتعلق بالبطاقة الصحية، ثمة اقتناع لدى النائب ياسين جابر "أنه على الضمان أن يفتح أبواب تقدماته في فرع المرض والامومة، لكل اللبنانيين، إذ لا يجوز أن يسجل صاحب العمل موظفيه في الضمان ويبقى هو خارج الافادة منه، بما يضطره الى طرق ابواب وزارة الصحة للافادة من العلاج على نفقتها"، معتبرا "أن ما يحدث في وزارة الصحة أمر غير مقبول، اذ أن كل المقتدرين يتعالجون على نفقتها".

مواضيع ذات صلة
مؤسسة إبرهيم عبد العال لدراسة متكاملة قبل أي مشروع : الأمطار لا تكفي وحدها وسدّ بسري ربما يكون...

حتى البصل فاسد !!

اقتصاد وأعمال
لا يوافق جابر على أن ثمة خطر قد يواجه الضمان في حال تم السير بهذا الاقتراح، ويقول: "الآلاف من اللبنانيين يريدون الافادة من الضمان وفي مقدورهم دفع الإشتراكات، فلماذا لا نغذي الضمان من هذه الاشتراكات بدل خلق وحش جديد للانفاق في الوزارة تحت مسمى البطاقة الصحية؟"... ويستند الى ما ورد في البيان الوزاري حيال "توحيد المرجعية الصحية"، ليؤكد عدم جدوى البطاقة الصحية التي تهدف الى "خلق ادارة جديدة في الملف الصحي بغية نزع البساط من تحت الضمان".

وإذ يؤكد أن الاقتراح مستوحى "من حرصنا على تقوية الضمان والمحافظة عليه وعدم خلق ادارة صحية جديدة (البطاقة الصحية) تفتح بابا جديدا للهدر في الوقت الذي نطالب فيه بترشيق الانفاق"، يذكر بديون وزارة الصحة للمستشفيات والتي تقدر بنحو ألف مليار ليرة، وبعدم قدرة الدولة على دفع متوجباتها للضمان عن موظفيها، فكيف لها أن تمول بطاقة صحية التي تكلف نحو مليار دولار... ليضيف "المشروع مش مقلع من اساسه".

ولا ينكر جابر ما يعانيه الضمان من تعثر، فالضمان وفق ما يؤكد "في حاجة الى الكثير من الاهتمام والتغييرات، وقد بدأنا فعلا البحث مع وزير العمل الجديد في بعض الأمور التي تتعلق بالضمان والتي تحتاج الى تعديلات.

موقف العمال؟

"النهار" حاولت الاتصال بالمدير العام للضمان محمد كركي للوقوف على رأيه من الاقتراح خصوصا وأن جابر أكد ان إدارة الضمان مطلعة عليه، ولكنها كالعادة لم توفق. في الموازاة، لخص عضو مجلس الادارة النقابي فضل الله شريف ناقوس الخطر، و"إن كان العمال ليسوا ضد تعديل المادة 9 من المرسوم رقم /13955/1963 قانون الضمان الاجتماعي من أجل توسيع شرائح المنتسبين الى فرع ضمان المرض والامومة". ولكن هذا التعديل برأيه يجب أن يأتي بعد تثبيت وتأهيل هذا الفرع الذي يعتبر العمود الفقري لصندوق الضمان وهو عاجز حاليا عن تأدية مهماته.

فالمكننة في مرحلتها الاولى، وحتى الآن لا يوجد ربط بين الصندوق والمستشفيات والصيدليات والاطباء. كما ان الوضع المالي، ووفقا لتقرير المدير العام حتى 31/12/2017، يشير الى عجز بقيمة 190490 مليون ليرة وعجز اجمالي متراكم 1،919،342 مليون ليرة استدانها الفرع من فرع تعويض نهاية الخدمة ويتحمل الفائدة عليها للفرع الاخير.

الى ذلك، يشير شريف الى "النقص الحاد في ملاكات الصندوق كافة، والتي وصلت الى أكثر من 50% بما فيها الاطباء المراقبون وجهاز التفتيش على المؤسسات. هذا النقص أدى الى تعثر عمليات تدقيق معاملات المستشفيات واللجوء إلى تدبير إستثنائي عبر دفع سلفات على الحساب في انتظار تدقيق وتصفية المعاملات والتأخير الحاصل في تسديد معاملات المضمونين".

يضاف الى ذلك استحقاقات ملحة منها انتخاب وتعيين اعضاء مجلس إدارة جديد وتعيين لجنة فنية ولجنة مالية وتعيين الشواغر القيادية في أمانة سر الصندوق – المديرية العامة في الفئتين الاولى (مدير) والثانية والثالثة. والمعضلة الكبرى التي يعاني منها الصندوق ككل وفرع ضمان المرض والامومة بصورة رئيسية وفق ما يقول شريف "هي عدم دفع الدولة لمستحقات الصندوق والمتوجبة قانونا والتي لامست 2800 مليار ليرة والمتأتية من: اشتراكات الاجراء العاملين في الوزارات والادارات العامة، مساهمة الدولة في اشتراكات السائقين العموميين، مساهمة الدولة في اشتراكات المخاتير، نسبة الـ 25% من نفقات فرع ضمان المرض والامومة السنوية والمنصوص عنها في المادة 73 من قانون الضمان الاجتماعي".

ووفق شريف يحتاج صندوق الضمان الاجتماعي وتحديداً فرع ضمان المرض والامومة "الى حل هذه المعضلات قبل التفكير في توسيع شرائح المضمونين أو زيادة نسبة التقديمات كي يتمكن الصندوق من تأدية مهماته الحالية والمتعثرة أصلا". أما بالنسبة الى البطاقة الصحية، فهي برأيه "ضرورة وطنية للعاطلين من العمل والمواطنين الذين لا تكفي مداخيلهم لدفع الاشتراكات أي ذوي الدخل المتدني، فهؤلاء يستحقون البطاقة الصحية حتى لا تضطرهم الحاجة للوقوف وراء الابواب طلبا لوساطة تخولهم العلاج على نفقة وزارة الصحة".

على كل لا يزال اقتراح القانون في بداية الطريق، وما تأليف لجنة فرعية برئاسة النائب ابرهيم كنعان الا لإشباعه درساً خصوصاً من الناحية المالية والتنظيمية والادارية، وفق ما قال كنعان لـ "النهار". وفيما أكد أنه يجهل تفاصيل هذا المشروع، لفت الى أنه تم تقديمه على خلفية البحث بالبطاقة الصحية، مشيرا الى أنه ثمة دراسات معمقة ستخصص له حتى لا يشكل خطرا على الضمان.

من هم اصحاب العمل الذين سيفيدون من فرع المرض والامومة؟

اصحاب العمل ومن في حكمهم اللبنانيين غير الخاضعين لاحكام قانون الضمان الاجتماعي او لأي نظام تأميني عام آخر، بأي صفة اخرى، شرط ممارسة العمل شخصياً على الاراضي اللبنانية، على ان يفهم باصحاب العمل ومن في حكمهم، الاشخاص اللبنانيين المحددين ادناه:

1 - التجار المسجلين في السجل التجاري وفقا للمادة 24 من قانون التجارة البرية.

2 - الشركاء في شركات التضامن.

3 - الشركاء المفوضون في شركات التوصية البسيطة.

4 - المدير المفوض بالتوقيع في الشركات المحدودة المسؤولية.

5 - رؤساء مجلس الادارة، المدراء العامون واعضاء مجلس الادارة في الشركات المساهمة وشركات التوصية المساهمة طوال فترة انتخابهم.

6 - المدراء العامون المساعدون في الشركات المساهمة.

7 - رؤساء واعضاء مجلس الادارة في المؤسسات العامة او ذات الصفة العامة.

8 - الشركاء المتضامنون في شركات التوصية المساهمة.

9 - المدراء المفوضون بالتوقيع في الشركات المدنية المسجلة في السجل المدني لدى الغرفة الابتدائية المدنية في بيروت.

10 - مدراء الشركات الاجنبية التي لها فروع في لبنان او مكاتب التمثيل المقيمين والعاملون في لبنان.

11 - سائر اصحاب العمل المسجلين في الصندوق ويستخدمون اجراء.

متى يصبح القانون نافذا؟

يعمل بالقانون اعتبارا من بداية الشهر السادس الذي يلي تاريخ نشره بالجريدة الرسمية لجهة استحقاق الاشتراكات واعتبارا من بداية الشهر التاسع لجهة توجب التقدمات.

الاخبار-12-2-2019

محمد وهبة

قرّرت إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فسخ التعاقد مع مستشفى الجامعة الأميركية بسبب مخالفته بنود العقد النموذجي الموقع بينهما. المخالفات، بحسب مصادر الضمان، لا تنحصر بأحد بنود العقد، بل بغالبيتها، إذ إن المستشفى يستقبل مرضى الضمان بـ«القطارة»، ويفرض عليهم فروقات مالية طائلة… لائحة المخالفات طويلة، وإدارة المستشفى تردّ بأن الخطوة ذات طابع «سياسي»!

قبل نحو سنة وثلاثة أشهر، وجّه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إنذاراً إلى مستشفى الجامعة الأميركية محذّراً إياه من الإمعان في مخالفة بنود العقود النموذجي بينهما. يومها، قرّر الصندوق حرمان المستشفى من السلف المالية لنحو شهر قبل أن يعاد العمل بها. اليوم القصّة مختلفة. فالصندوق قرّر أن يفسخ العقد مع المستشفى بالاستناد إلى ما يكفي من الأسباب الموجبة.
المدير العام للضمان الاجتماعي محمد كركي أصدر أمس قرارين، يقضي الأول بفسخ التعاقد مع AUH، مستثنياً مركز سرطان الأطفال (سانت جود)، والثاني يوقف السلفات المالية المقرّرة له. القراران استندا الى تقرير رئيس مصلحة المراقبة الإدارية على المستشفيات حول مخالفات مرتكبة. مصادر هذه المصلحة تقول إنه رغم كل التحذيرات، فإن الضمان يتلقّى يومياً عشرات الشكاوى عن مخالفات في بنود العقد الموقّع مع المستشفى. أقصى المخالفات تتعلق بتدفيع المضمونين فروقات مالية طائلة، وأدناها يتعلق بالفوترة المتلاعب فيها.


المضمونون يدفعون الثمن مرتين (هيثم الموسوي)

وبحسب مصادر الضمان، فإن حجم المخالفات «لم يعد يحصى». فقد تبيّن للرقابة الإدارية، على مدى الأشهر الماضية، أن مرضى الضمان لا يتم استقبالهم في درجة الضمان المنصوص عليها في العقد إلا في ما ندر. كذلك يفرض المستشفى على المرضى المضمونين دفع فروقات مالية طائلة عن أعمال جراحية تدّعي إدارة المستشفى أن الضمان لا يغطيها، ولا تقلّ في كثير من الحالات عن 10 آلاف دولار، فيما هناك حالات يصل فيها الفارق إلى أكثر من 40 ألف دولار. ومن المخالفات أيضاً، أن إدارة المستشفى لا تحترم الكثير من الاتفاقات بين الطرفين، ولا سيما لجهة المستلزمات الطبية التي تستعمل في العمليات الجراحية. فالضمان اتفق على أن يتوقف المستشفى عن «فوترة» عدد كبير من هذه المستلزمات بالأسعار الباهظة الثمن، إلا أن المستشفى لم يلتزم بالاتفاق.

المستشفى يرد
مصادر في مستشفى الجامعة الأميركية قالت إن خطوة فسخ العقد كانت «صدمة» أتت من دون أي مبرّرات واقعية. «فالمستشفى رفع نسبة استقبال مرضى الضمان بشكل كبير في الشهرين الأخيرين ووصل عددهم الى أكثر من 1600 مريض مضمون رغم أن نسبة الإشغال في المستشفى تبلغ 87%». وأكدت أنه حُذف من لوائح الفواتير، بناءً على طلب الضمان، أكثر من 50 بنداً تتعلق بالمستلزمات الطبية المستعملة في المستشفى، لذا، فإنه «ليس هناك أي تفسير منطقي لهذه الخطوة سوى أنها تأتي بدافع سياسي للتعمية على ملفات الفساد التي بدأت تظهر أخيراً».

من يدفع الثمن؟
بين الاتهامات الموجّهة من الصندوق وردّ المستشفى، يدفع المضمونون الثمن مرتين: مرة بسبب المخالفات التي ترتكبها إدارة المستشفى، ومرة ثانية بسبب عشوائية قرارات الضمان التي لم تلحظ إلى جانب فسخ العقد، كيف يمكن تأمين العلاج للمرضى المضمونين الذين لديهم مواعيد للقيام بعمليات جراحية أو يستشفون من أمراض مستعصية مثل غسل الكلى والأمراض السرطانية وسواها، ولا أولئك الذين يأتون إلى الطوارئ.
مصادر الضمان: حجم مخالفات المستشفى لم يعد يحصى

مصادر الضمان تشير إلى أن هذا الأمر كان حاضراً في النقاشات التي أدّت إلى اتخاذ القرار. وأوضحت أن المرضى الذين يحصلون على علاج من الأمراض المستعصية وحصلوا على موافقات مؤخّرة من الضمان للاستشفاء في مستشفى الجامعة، يجب أن يستكملوا العلاج هناك وفواتيرهم ستدفع. أما من لديهم مواعيد لعمليات جراحية أو سواها، فعليهم أن ينتظروا معالجة المشكلة أو تغيير طبيبهم والمستشفى.

هدايا للمستشفيات
ويحصل مستشفى الجامعة الأميركية على سلفة مالية من الضمان الاجتماعي بقيمة 3.3 مليارات ليرة شهرياً، شأنه شأن كل المستشفيات المتعاقدة مع الصندوق وفق نظام السلف الذي وُلد على يد مجلس إدارة صندوق الضمان بشكل مخالف للأصول، مستنداً إلى أسباب تتعلق بتراجع قدرة الضمان على تصفية المعاملات. بحسب مصادر نقابة المستشفيات، فإن حجم المعاملات المتراكمة وغير المصفّاة يتجاوز 70%. والمشكلة أن هذه السلف تعدّ بمثابة هديّة للمستشفيات، علماً بأن الضمان لا يتأخر في تسديد المستحقات المالية المترتبة عليه، ولكنه يتأخر في تصفيتها.

الاخبار-7-2-2019

فاتن الحاج


مجدداً، أطل توحيد الصناديق الضامنة في القطاع العام برأسه في البيان الوزاري للحكومة الجديدة، كحل لخفض كلفة الفاتورة الاستشفائية على الدولة. ليس واضحاً بعد ما إذا كان الهدف هو دمج الصناديق وإلغاء تقديماتها المستقلة والمتفاوتة بين مكوّن وآخر داخل هذا القطاع، أم توحيد تسعيرة المستشفيات. إلا أن الخشية كبيرة من أن اعتماد توجّه كهذا سيعني القضاء على مكتسبات استلزمت نضالاً طويلاً لتحصيلها

عاد توحيد الصناديق والمؤسسات الضامنة في القطاع العام إلى واجهة التداول من نافذة البيان الوزاري للحكومة الذي نصّت مسودته على «تبنّي توصية المجلس الاقتصادي الاجتماعي بتوحيد الصناديق والمؤسسات الضامنة في القطاع العام بكل إداراته ومؤسساته ومجالسه وأسلاكه خلال ثلاث سنوات».
المشروع المطروح منذ مؤتمر «باريس - 3» عام 2016، والذي ورد في ما سمي «مواد إصلاحية» في قانون سلسلة الرتب والرواتب، لا يزال ملتبساً بالنسبة إلى معظم الفئات المنتسبة إلى هذه المؤسسات (الضمان الاجتماعي وصندوق تعاضد القضاة وصندوق تعاضد أساتذة الجامعة اللبنانية وتعاونية موظفي الدولة). التقديمات بين هذه الصناديق متفاوتة، لذلك ليس مفهوماً حتى الآن ما إذا كان المقصود هو توحيد هذه التقديمات، ووفق سقف أي منها. إذ أن بعضها يقدم تغطية صحية شاملة ومنحا تعليمية كاملة، فيما تقل تقديمات البعض الآخر عن ذلك بكثير.
رئيس المجلس الاقتصادي، شارل عربيد، تردد في التعليق على نص «لم أطلع عليه ولا أعرف عنه شيئاً»، وإن لم ينف أن التوجه ورد ضمن النقاط الـ22 للورقة المنبثقة عن «حوار الأحزاب الذي استضفناه، لكنه لم يكن رأي المجلس أو توصيته». واستدرك بأنّ «اللجنة الاقتصادية في المجلس التي يرأسها وزير الاقتصاد الجديد، منصور بطيش، صاغت ورقة هي الأخرى، وربما استوحى الوزير من روحيتها، لكونه عضواً في لجنة صياغة البيان الوزاري، لا أعرف».
القضاة لا يخشون المسّ بصندوقهم وباستقلالية القضاء كما في المرات السابقة. يركنون، بحسب رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد، إلى ما قاله رئيس الحكومة سعد الحريري في لقاء مع المجلس أخيراً بأنّ الهدف ليس النيل من قيمة التقديمات أو نوعيتها، إنما توحيد العلاقة مع الفريق الذي يقدم الخدمة الاستشفائية، سواء كان المستشفى أو الصيدلية، للحصول على أسعار مخفضة، ما يسهم في خفض الفاتورة الاستشفائية.
وتختلف تقديمات صندوق تعاضد القضاة عن بقية الصناديق الضامنة لباقي مكونات القطاع العام. إذ يحظون بتغطية طبية واستشفائية كاملة، ومنح تعليمية تصل إلى 100%، وقروض سكنية مدعومة بفائدة 1,68% من الصندوق المموّل من اشتراكات المنتسبين، ومن رسوم أخرى، أبرزها نصف الرسم المفروض قانوناً على كل تسجيل او تعديل او شطب في قيود السجلين التجاريين العام والخاص، و30% من غرامات الأحكام القضائية المحصلة ومن غرامات ضبط السير.
أساتذة الجامعة اللبنانية المتفرغون والداخلون في الملاك لديهم أيضاً صندوق تعاضد خاص بهم يمنحهم تقديمات أقل من تلك التي ينالها القضاة، وهو، كما يقولون، «من أهم المكتسبات» التي حقّقوها في المرحلة السابقة، و«ممنوع الرجوع إلى الوراء. إذا كان لا بد من توحيد الصناديق، فليكن على السقف الأعلى»، وإن كانوا يعتقدون أن التوحيد يجب أن يكون في تعريفات المستشفيات وفي الدفع المقطوع للعمليات الجراحية وليس في إدارة الصناديق.
رئيس الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة، يوسف ضاهر، شدّد على أنّ «الصندوق خط أحمر لكون أساتذة الجامعة ناضلوا سنوات طويلة لإقراره». ولوّح ضاهر بالاعتصام والإضراب في كانت هناك نية للمس بهذه المكتسبات، لافتاً إلى أنّ «أكثر من نصف الأساتذة المتفرغين خارج الملاك، أي أنّه لا يحق لهم الاستفادة من خدمات تعاونية موظفي القطاع العام أو أي صندوق موحد، وبالتالي سيصبحون خارج أي تغطية صحية. وهذا ما لا يقبله أي منطق». ويتمسّك الأساتذة بتنفيذ المادة 53 من قانون موازنة 2018 التي نصت على إلغاء بعض الأحكام المتعلقة بالقضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية من قانون سلسلة الرتب والرواتب، لا سيما المادة 31 المتعلقة بتوحيد الصناديق الضامنة. مصادر الأساتذة تسأل ما إذا كان الهدف من هذا التوجّه تحميل الموظفين أعباء الثلث المتبقي من الفاتورة الاستشفائية، باعتبار أن الموظف يدفع حالياً ثلثين والدولة ثلثاً.

الموظف يدفع ثلثي الفاتورة الاستشفائية والدولة الثلث

المستفيدون من خدمات تعاونية موظفي الدولة (أساتذة ومعلمون في التعليم الرسمي وموظفو الإدارة العامة) يحصلون على تقديمات أقل من الأساتذة والقضاة. النقابي المتقاعد من التعليم الأساسي الرسمي إبراهيم الراسي وصف التوجه الذي عبّر عنه البيان الوزاري بـ«الخطير ويسير في الاتجاه المعاكس لكل الدول التي تبنت خيار الإنسان المواطن، واعتبار الفرد قيمة أولى». ولفت الى أن الموظفين «لا يحصلون فعلياً على التقديمات التي تنص عليها القوانين (90% استشفاء و75% طبابة) بسبب تلاعب المستشفيات بالتسعيرة، ولأن تعرفة الأطباء تختلف عن تلك التي تحددها التعاونية وتعود إلى 25 عاماً، ما يُضطر الموظف الى دفع مبالغ تتجاوز راتبه في كثير من الأحيان».
الأمر نفسه يواجه المنتسبين إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذين يحصلون على تقديمات أقل من تلك التي يحصل عليها المستفيدون من بقية الصناديق الضامنة. فرغم نيل المستفيدين 90% من نفقات الاستشفاء و80% من نفقات الطبابة، إلاّ أن الصندوق لا يغطي مثلاً كلفة طبابة الأسنان ولا يقدم منحاً مدرسية.
النقابي محمد قاسم أكد أن «كل الهيئات متمسكة بالسقف العالي وستدافع عن مواقعها ومصالحها، ولن يقبل أحد الرجوع إلى الوراء والانقضاض على حقوق مكتسبة».

 

الاخبار-30-1-2019

مجمد وهبة


«صندوق الضمان الاجتماعي» هو ساحة المعركة المقبلة بين التيار الوطني الحرّ وحركة أمل. فُتحت هذه المعركة، بإحالة من وزير العدل سليم جريصاتي إلى مدعي عام التمييز سمير حمود، تستند إلى تقرير مالي أعدّه خمسة أعضاء في مجلس إدارة الضمان قبل سنة عن هدر أموال الصندوق الناتج من الإهمال الوظيفي والمخالفات القانونية

أول من أمس، أحال وزير العدل سليم جريصاتي إلى النائب العام لدى محكمة التمييز القاضي سمير حمود كتاباً بعنوان «هدر الأموال العمومية في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي». هذا الكتاب يستند إلى وثيقة «فريدة» من نوعها، هي عبارة عن تقرير مالي أعدّه خمسة أعضاء في مجلس إدارة الضمان بتاريخ 10/1/2018 عن «وضع محاسبي ومالي غير صحيح وغير شفّاف»، فضلاً عن «العجز المتزايد في ضمان المرض والأمومة»، و«تفشّي الغشّ والفساد»، وهو مرفق بتقرير للمدقق الخارجي (UTC international) يتطرق إلى أخطاء جسيمة في إعداد قطع الحساب لعام 2010. توقيت الإحالة، والجهة السياسية التي تقف وراءها، والجهة السياسية التي تعتبر نفسها مستهدفة، كلها عناصر قد تحوّل الصندوق إلى ساحة لمعركة سياسية بين التيار الوطني الحر وحركة أمل، بمعزل عما إذا كانت الهجمة العونية على الضمان مقصودة سياسياً، أو ستعمل «أمل» على تسييسها للدفاع عن نفوذها في هذه المؤسسة. فالتيار يريد أن يستلم مواقع في الصندوق، ليخرق سيطرة «أمل» المطلقة منذ عقود، وهو يطالب بأن تكون له كلمة وازنة في تعيينات المديرين وتشكيلات الموظفين وتوزيع المكاتب والسلفات المالية وسائر القرارات المهمة التي تشكّل أدوات انتفاع وخدمات تقدّم في إطار الزبائنية السياسية. وبالعكس، فإن «أمل» تتشدّد في الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة من دون أي تقاسم للنفوذ مع أحد، سواء بسيطرتها على مجلس الإدارة والإدارة ومن خلالهما على سائر المديريات.
مقالات مرتبطة
ملخص عن تقرير الأعضاء الخمسة في مجلس الضمان محمد وهبة
كان لافتاً أن الإحالة التي قام بها وزير العدل، تأتي بعد أكثر من سنة على إعداد التقرير وتسجيله في مجلس إدارة الضمان. وبحسب أعضاء في مجلس إدارة الضمان، فإن اثنين من بين معدّي التقرير الخمسة، هما أنطوان واكيم ورفيق سلامة، كانا قد زارا رئيس الجمهورية ميشال عون وسلّماه نسخة من التقرير بعد إعداده مباشرة كما سلّما نسخاً من التقرير لعدد آخر من المسؤولين أيضاً في محاولة لحثهم على القيام بتغييرات في الضمان تتعلق بمواقع أساسية فيه. وأكثر من ذلك، فبحسب مصادر مطلعة، إن كل محاولات واكيم وسلامة جاءت في السياق الزمني للدعوة التي وجهها وزير العمل محمد كبارة إلى الهيئات الأكثر تمثيلاً لتسمية مندوبيهم إلى مجلس إدارة الضمان. وعملية تسمية المندوبين توقفت بعدما أوعز المدير العام لوزارة العمل جورج إيدا، المحسوب على التيار الوطني الحر، إلى مندوبي الوزارة عدم حضور انتخابات جمعية الصناعيين المخصصة لتسمية مندوبهم لمجلس الضمان. وقد تردّد يومها أن إيدا قام بهذا الأمر بعدما تلقى اتصالاً من «القصر» لأن الانتخابات كانت ستقصي التيار عن مجلس الضمان.
قد لا تنطوي إحالة جريصاتي على نيّة سياسية، إلا أنها بحسب مصادر حزبية من الطرفين، ستشعل حتماً المعركة المفتوحة بين التيار وأمل في أكثر من إدارة أو مؤسسة عامة. في صندوق الضمان، على سبيل المثال، كانت هناك أكثر من معركة بين التيار وأمل. النائب السابق نبيل نقولا أطلق معركة على تشغيل عدد من المياومين في الضمان، ولا سيما العاملين في مركز طرابلس، وكان ثمة خلاف على تعيين مدير مالي للصندوق قبل أن يذهب الأمر من نصيب مستخدم لا يعترف به التيار ولا تعترف به القوات اللبنانية. أما موقع المدير الإداري فلم يحصل عليه التيار كاملاً بل نال تعييناً يعدّ مخالفاً للقانون وغير مستدام وبوساطة مباشرة من نائب كتلة التحرير والتنمية ميشال موسى.
«التيار» يريد أن يستلم مواقع في الصندوق، ليخرق سيطرة «أمل» المطلقة

وفي غير الضمان، المعركة المفتوحة بين الطرفين، دفعت بوزير الاقتصاد رائد خوري إلى الادعاء على بشارة الأسمر المنتخب رئيساً للاتحاد العمالي العام بأصوات نقابات حركة أمل، كما استدعت منه توجيه إنذار له بوجوب الحضور إلى مركز عمله في مرفأ بيروت. وبمعزل عن مضمون هذه الملفات المثارة بما فيها الملف الأخير المتعلق بالضمان الاجتماعي، ثمة الكثير من هوامش الحرب المفتوحة بين الطرفين، وأكبرها المعركة التي اندلعت يوم تلزيم معامل إنتاج الكهرباء وما سرّب من كلام على لسان النائب ياسين جابر عن الفساد في العقود وسواها. ولا يمكن إغفال ما قيل عن إقصاء لحركة أمل عن وزارة الخارجية مقابل إقصاء للتيار عن المراكز الأساسية في وزارة المال.
لم تكن دوماً ساحة الصراع بين التيار وأمل في القضاء أو في المؤسسات العامة أو في مجلس الوزراء، بل كانت أيضاً على «تويتر» بين النائب زياد أسود ووزير المال علي حسن خليل، حيث تبادل الطرفان اتهامات بشأن كيفية إنفاق الأموال العامة وجبايتها.
الخلاصة أن «الضمان الاجتماعي»، المؤسسة التي تمثّل إحدى آخر «قلاع» الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة، دخلت حلبة الصراع بين حركة أمل والتيار الوطني الحر. وما يؤمّل هو أن يتم إصلاح ما فسد فيها، وتحسين مستوى تقديماتها للعمال... والأهم، أن تنجو.


«أمل»: توقيت إثارة الملف مستغرب
لم تتمكن «الأخبار» من الحصول على تصريح أو تعليق من المدير العام للضمان الاجتماعي محمد كركي على إحالة وزير العدل سليم جريصاتي ملف هدر الأموال في الضمان على النائب العام لدى محكمة التمييز، فيما رفض بعض نواب حركة أمل التعليق قبل الاطلاع على مضمون الإحالة التي ستناقش اليوم في عدد من الاجتماعات واللقاءات. لكن رئيس المكتب العمالي لحركة أمل علي حمدان قال لـ«الأخبار» إنه يستغرب إثارة تقرير أعدّ قبل نحو سنة وإحالته على النائب العام التمييزي اليوم. وتمنى حمدان «ألا تكون هناك نوايا سياسية في هذا الأمر، وأن تطبق القوانين على الجميع لأن الاستهداف لمؤسسة الضمان هو استهداف لكل المضمونين والفقراء». ولفت إلى أن التقرير الذي تستند إليه إحالة جريصاتي، يأتي «بعد سنوات طويلة من وجود مجلس إدارة ضمان «ناقص» فيه أعضاء مستقيلون وفيه أعضاء أصبحوا في ذمة الله، وفيه أعضاء بحكم المتغيبين الدائمين، علماً أن هناك من أفشل تشكيل مجلس الإدارة في عام 2018».

جريصاتي: التوقيت مرتبط بتسلّمي الإخبار
يقول وزير العدل سليم جريصاتي، إنه قبل نحو أسبوع تسلّم إخباراً من أعضاء في مجلس الضمان موثّق بالمستندات عن وجود هدر في الأموال العمومية العائدة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ناتج بصورة أساسية من الإهمال في القيام بالواجبات الوظيفية وعن مخالفة الأحكام القانونية المتعلقة بإدارة مالية الصندوق فضلاً عن تورّط بعض معقبي المعاملات والموظفين في عمليات تزوير المستندات الرسمية العائدة للمشتركين.

(هيثم الموسوي)

يؤكد جريصاتي أن هذه الخطوة لا تندرج في أي سياق سياسي، مشيراً إلى أنه لا يملك إلا أن يحيلها إلى النائب العام لدى محكمة التمييز. ووصولها إليه في هذا الوقت هو المبرّر الوحيد لعدم إجراء أي إحالة سابقاً، وهو بالتالي يقوم بواجباته حصراً.
إحالة جريصاتي تتضمن تفنيداً للمخالفات على عدة مستويات: الإهمال الوظيفي، وجود عمليات تزوير في الحسابات، تغطية اختلاس المال العام، ريبة مبرّرة بالأرقام وقيود الحسابات المالية للصندوق.
«وبالإضافة إلى ما سبق، فقد أُبلغ وزير العدل مقتطفات عن تقرير وضع في تموز 2017 من بعثة الاتحاد الأوروبي لواقع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في ضوء مراجعة الخطّة الكلية الموضوعة للصندوق في هذا الخصوص، وهو يشير إلى الوضع المأسوي والمتباطئ للمعلوماتية والاتصالات في الصندوق… أما في ما يتعلق بالمؤسسات الوهمية التي تبين أنها لم تدفع قرشاً واحداً من الاشتراكات منذ سنوات واستفاد مئات الأشخاص على اسمها من تقديمات الصندوق من دون رقيب أو حسيب والتي ضجّ الإعلام بها يبدو أن مجلس الإدارة قد فوجئ بهذه الفضيحة حيث أنه لم يتحدّد حتى اليوم لا حجم الخسارة المتأتي عنها ولا المسؤولون عنها».
وتضيف الإحالة: هذه الوقائع تشكل بالحد الأدنى إهمالاً بالقيام بالواجبات الوظيفية وإخفاء هدر في الأموال العمومية أو اختلاسها وتستدعي فتح تحقيق قضائي فيها وتنطبق عليها الجرائم المنصوص عليها في المواد 359, 360, 371, 373, 376 من قانون العقوبات.

الاخبار-18-12-2018

هديل فرفور


«انتفاضة» مطلبية، وضد الفساد، تنطلق اليوم في نقابة أطباء لبنان. «المنتفضون» هم من المعترضين على نهج «تغطية الهدر» الذي ارتكبه النقيب السابق، وعلى «تجاوزات» المديرة الادارية للنقابة ما أدى الى فوضى مالية يدفع ثمنها الأطباء. فهؤلاء لا يتعدى راتبهم التقاعدي الـ 600 ألف ليرة، ولا يحظون بتغطية صحية بعد انتهاء خدماتهم، فيما يتكدس في صناديق النقابة نحو 190 مليار ليرة!

يُنفّذ عدد من الأطباء وقفة احتجاجية أمام «بيت الطبيب» في بيروت، السادسة مساء اليوم، تزامناً مع انعقاد جلسة مجلس النقابة، للمُطالبة بتحسين المعاش التقاعدي والضمان الصحي للأطباء، واحتجاجاً على «الهدر والفساد واغتصاب قرار مجلس النقابة». الدعوة إلى الاعتصام جاءت في بيان أصدرته، ليل أمس، لجنة «الحراك المطلبي - معاً لقرار واحد» عقب اجتماع عقدته لمناقشة الوضع المالي للنقابة. وتضمّ اللجنة عدداً من الأطباء غير الراضين عن الأداء المالي لنقابتهم.
وكانت اللجنة قد دعت قبل أيام إلى مقاطعة العشاء السنوي الذي تقيمه النقابة في 28 الجاري، «لأن الدعوة تأتي في وقت يشكو فيه نقيب الأطباء من شحّ في أموال صناديق النقابة الثلاثة (صندوق التقاعد، صندوق الإعانة والصندوق الإداري). و«الأهم لأن قرار تنظيم العشاء لم يصدر عن مجلس النقابة، بل عن المديرة العامة الإدارية المعيَّنة خلافاً للقوانين، وفي تجاوز لصلاحية مجلس النقابة»، وفق تأكيدات مصادر في «الحراك» لـ«الأخبار».
وتتركّز الاعتراضات على تعيين ن.ح. (محسوبة على التيار الوطني الحر) في منصب المدير العام الإداري من دون انتخابها من أعضاء مجلس النقابة، تخوّفاً من تكريس هذا الاستثناء كقاعدة من شأنها المسّ بصلاحية المجلس أولاً، ونظراً إلى «أن أداء المديرة العامة يثير شبهات كثيرة وُضعت في عهدة القضاء ثانياً».
ويلفت المعترضون إلى أن التقديرات تشير إلى أنّ مجموع الأموال المودعة في الصناديق الثلاثة «تبلغ نحو 190 مليار ليرة، لكن لا أحد يستطيع تحديد المبالغ المحددة لكل صندوق نتيجة الفوضى». فيما يتذرّع النقيب الدكتور ريمون الصايغ بعدم وجود أموال كافية لتحسين معيشة الطبيب، خصوصاً بعد تقاعده. إذ إن الراتب التقاعدي الذي تدفعه النقابة يقدّر بنحو 600 ألف ليرة شهرياً، فضلاً عن عدم شمول الأطباء بتقديمات صندوق الضمان الاجتماعي المتعلقة بالعناية الطبية بعد التقاعد. ولفت أحد أعضاء اللجنة إلى أن «الأطباء يُسدّدون، منذ عام 2000، اشتراكاتهم للضمان ظنّاً منهم أنهم يستطيعون الاستفادة من ضمان المتقاعدين، لكنّنا فوجئنا بأن القانون لا يسمح لنا بالاستفادة من الضمان بعد انتهاء خدمتنا».
رئيس مصلحة القضايا في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، صادق علوية، أوضح لـ «الأخبار» أنّ القانون 27/2017 نصّ بوضوح على الفئات التي يمكنها الإفادة من قانون إفادة المضمونين المتقاعدين، مُشيراً إلى أن شمول الأطباء بالقانون «يستوجب مرسوماً من مجلس الوزراء أسوة بالمرسوم الذي أضاف أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة». وتساءل علوية عن الجهة التي ستتحمّل الكلفة الإضافية في حال إقرار مرسوم كهذا: الدولة أم النقابة أم الأطباء؟
«انتفاضة الأطباء» تأتي في وقت تعاني فيه النقابة من فوضى مالية ناجمة عن هدر وفساد، وفق ما يؤكد المعترضون. وكان خمسة من أعضاء مجلس النقابة قد تقدّموا، في تموز الماضي، بإخبار أمام النيابة العامة التمييزية ضد «المديرة الإدارية للنقابة وكل من يظهره التحقيق فاعلاً أو متدخّلاً أو محرّضاً»، بعد اكتشاف أوامر صرف وهمية تتعلق بنفقات طائلة في غير الوجهة المخصصة لها، حصلت أيام النقيب السابق أنطوان البستاني.

الراتب التقاعدي للطبيب الذي تدفعه النقابة لا يتعدّى 600 ألف ليرة شهرياً

ووفق تقرير مالي لشركة تدقيق استعانت بها النقابة، تقاضى عاملون في النقابة نحو 139 مليون ليرة بدل ساعات عمل إضافية في النقابة عام 2015، فيما تقاضى سائق النقيب السابق وحده نحو 36 مليون ليرة لقاء ساعات عمل إضافية، أي ما يوازي 178% من راتبه. كذلك، يُظهر مستند أمر صرف بتاريخ 30/11/2015 أن نحو 13 ألف دولار اقتطعت من أموال النقابة لتغطية تكاليف إقامة البستاني في باريس لحضور مؤتمر علمي، يؤكد أعضاء «الحراك» أنه ألغي حينها!
في جعبة المعترضين «أدلة ومستندات كثيرة» تُثبت حجم الهدر في النقابة، ما أدى إلى عدم إجراء قطع حساب وامتناع الهيئة العامة عن إصدار براءات ذمة منذ عام 2015. ويقرّ هؤلاء بأن «غالبية عمليات الهدر جرت في عهد النقيب السابق»، لكنّهم يتهمون النقيب الحالي بـ«التغطية على سلفه وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة لتدارك الوضع المالي».
الصايغ، من جهته، أكّد لـ«الأخبار» أن مجلس النقابة بصدد مناقشة مسألة براءات الذمة لتدارك أزمة النظام المالي السابق، مُكتفياً بالإشارة إلى أن النقابة «ملتزمة سقف القانون، وهي مع خيار الديمقراطية واحترام رأي الأكثرية». ولفت إلى أن قرار تنظيم العشاء السنوي «لا يحتاج إلى قرار مجلس النقابة، بل إلى قرار يصدر عن مكتب النقيب، ويحمل توقيع المديرة العامة الإدارية، وهو مناسبة لشكر الموظفين، وليس مكلفاً ولا يؤثر في أموال الصناديق».

سلوى بعلبكي

النهار-29-10-2018


في 16 آب 2018 تقدمت مصلحة القضايا في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بواسطة وكيل الصندوق المحامي أسعد أبي رعد، بشكوى أمام النيابة العامة المالية، سجلت تحت الرقم 4331، متضمنة الادعاء بوجه المدعى عليهم، أ.ح وط.ح وخ.أ وح.ح ونحو 324 أجيرا وهميا وكل من يظهره التحقيق. واتخذ الصندوق صفة الادعاء الشخصي ضد المدعى عليهم وكل من يظهره التحقيق، فاعلا أو شريكا أو متدخلا أو محرضاً، بجرائم المواد 471 و454 و655 من قانون العقوبات (التزوير والاحتيال) والمادة 81 من قانون الضمان، وإلزامهم رد التقديمات الصحية والعائلية والمبالغ المقبوضة دون وجه حق، وتعويض العطل والضرر. وقد أحيلت الشكوى من النيابة العامة المالية على مكتب مكافحة الجرائم المالية وتبييض الأموال لإجراء التحقيقات اللازمة.

ماذا في تفاصيل هذا الملف؟ وهل من ملفات أخرى مشابهة؟

سنة 2012 تبين أن صاحب مؤسسة تتعاطى التنظيفات هرب من لبنان من دون سابق انذار، تاركا خلفه مؤسسة مع بعض العمال الذين احتجزوا فيها من دون ان يعلموا بفرار صاحبها. هذا الامر استغله احد الاشخاص الذي كان لديه وكالة من صاحب الشركة، فعمد الى تسجيل اشخاص في الضمان بعد التصريح عنهم على اساس انهم اجراء في الشركة مقابل مبالغ مالية، بدليل التحويلات المالية من بعض الاجراء للوكيل عبر مؤسسات تحويل الاموال.

وعام 2017، عمد صاحب الوكالة الى تسجيل عدد كبير من الأجراء في الضمان على فترات متتالية، لكي لا يثير الشبهات حوله. ولكن ما ان تقدم أحد الاجراء بطلب شطب اسمه من الصندوق حتى افتضح أمره، إذ عندما تم التدقيق في هذا الطلب والاسباب التي استدعت طلب الاجير شطب اسمه، تبين أن الضمان طلب منه تجديد افادة العمل، لكنه لم يستطع تأمينها بحجة أن صاحب العمل خارج البلاد منذ فترة. إلا أن التحقيقات بينت أن الاخير كان قد تقدم بتصاريح عن عمال جدد قبل طلب الاجير شطبه من الضمان بيومين. عندها تم تحويل الملف الى التفتيش الذي اكتشف ان المؤسسة لا تعمل منذ فرار صاحبها الى الخارج، وتاليا فإن التصريح عن عمال جدد هو فعل تزوير، فما كان من ادارة الضمان الا أن اتخذت قرارا بشطب كل الاجراء التابعين لهذه المؤسسة، وتم الادعاء على صاحبها وكل من يظهره التحقيق متورطا في التزوير.
فكم من المؤسسات والشركات تعمد الى تسجيل أجراء وهميين؟ لا ينكر عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي، رئيس مصلحة القضايا في الضمان الاجتماعي صادق علوية أن ثمة شركات وهمية تعمد الى هذا التدبير من دون أن يتوافر لديه تقدير لعددها. لكنه في المقابل يعتبر ان "هذا الامر طبيعي ويحصل في الكثير من الدول، فكيف ببلد يعيش 40% من مواطنيه من دون تغطية صحية؟ لذا من البديهي أن يلجأ هؤلاء الى تسجيل اسمائهم في مؤسسات تخولهم الافادة من تقديمات الضمان. وإذ يشير الى ان عدد هؤلاء قليل "خصوصا اننا نشدد على تحصيل الاشتراكات"، كشف في هذا الاطار أن الصندوق وجه نحو 30 الف انذار للذين لم يبادروا الى تسديد اشتراكاتهم.

وفي ما يتعلق بالمؤسسة التي تبين أن لديها أجراء وهميين، لم يكتف الصندوق بتقديم دعوى جزائية، بل تم احتساب قيمة التقديمات التي أفاد منها هؤلاء الاجراء، فتبين أنها تناهز الـ400 مليون ليرة. وأكد علوية لـ"النهار" أن "الضمان سيطالب باسترداد هذه الاموال عبر وسائل قانونية تمكنه من تحصيلها، علما أن مصلحة القضايا في الضمان استطاعت تحصيل نحو 12 مليون دولار مذ تم تعييني بالاصالة".

وفي حين يؤكد علوية أن ثمة شركات وهمية أخرى، يلفت الى أن الضمان "يعمد الى إرسال مفتشي الضمان الى كل الشركات، ولكن المشكلة التي نواجهها هي في قلة اعدادهم، إذ لدينا 80 مفتشا فقط بينهم 20 رؤساء مناطق، اي أنه عمليا لدينا 60 مفتشا، وكل مفتش لديه نحو 1500 تقرير بين يديه".

وعلى أهمية ملف الأجراء الوهميين، ثمة ملف آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالعدد الكبير للمؤسسات التي لا تصرح عن أجرائها للضمان، والتي قدرها علوية بنحو 40 ألف مؤسسة. وهذه الشركات يتم اكتشافها بعد ادعاء أو شكوى يتقدم بها أحد الموظفين. ولكن المشكلة أنه اذا لم تتم الاستعانة بنحو 200 مفتش، فإن الامور ستبقى على حالها من دون تسجيل أي تقدم".

وذكر علوية بفضيحة الاختلاس والتزوير التي قام بها بعض الموظفين في فرع الضمان الاجتماعي في شكا حيث بلغت قيمة الاختلاس أكثر من 1.7 مليار ليرة، مؤكدا أن الصندوق نجح في حجز املاك المختلسين، وهو أمر بالغ الاهمية حيال تقدم العمل في هذه المؤسسة، على نقيض بعض المؤسسات الرسمية الاخرى".

 

-المرصد

مريم سيف الدين- يواجه الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي صعوبات مالية عدة، ودوماً ما يحذر من إفلاسه. ولعل أبرز المشاكل المالية التي يعاني منها عدم دفع الدولة الأموال المترتبة عليها لصالح الصندوق، وتبلغ حوالي 2450 مليار ليرة.

يقول أحد المراقبين في الصندوق أن الدولة اللبنانية تخصص في ميزانيتها مبلغاً لسداد قسم من هذا الدين لكنها لا تدفعه للضمان وإنما تصرفه في مكان آخر. وهي إذ تتأخر في الدفع يترتب عليها غرامات، لكنها تصدر كل فترة مرسوماً يعفيها من دفع هذه الغرامات، فيما يضطر الصندوق لدفع مبالغ متوجبة عليه وسلفات للمستشفيات فيستدين بفوائد، ويتكبد خسارة نتيجة لعدم دفع الدولة للمستحقات.

كما يتوجب على بعض أصحاب العمل مبالغ أخرى يمتنعون عن دفعها قدرها أحد موظفي الصندوق بنحو 1400 مليار ليرة. والمشكلة مع أصحاب العمل بحسب الموظف أن الكثير منهم لا يصرحون عن عمالهم، وإن صرحوا يصرحون بالحد الأدنى للأجور. وهو يرى في بعض الإنتقادات التي تطال الصندوق مؤامرة تهدف لتدميره لصالح شركات التأمين، "المستفيد الأول من إنهيار الصندوق". ومن ضمن المؤامرات أيضاً، وفق الموظف، محاولة إلغاء موجب براءة الذمة عبر الإقتراح الذي تقدم في مشروع الموازنة. وإن كان الإقتراح قد سقط فإن الدولة كانت قد خفضت سابقاً قيمة الإشتراكات بنسبة50% الأمر الذي صب في مصلحة أصحاب العمل على حساب واردات الصندوق.

الوضع المالي للصندوق: صرخة أعضاء من مجلس الإدارة:

نبه خمسة أعضاء في مجلس إدارة الصندوق في تقرير أصدروه بداية العام، من خطورة الوضع المالي للصندوق. حيث تحدث التقرير عن "حسابات غير صحيحة وغير شفافة وعن عجز متزايد في صندوق المرض والأمومة".

وبحسب التقرير فقد أثبتت تقارير مدقق الحسابات الخارجي المتعلقة بالحسابات الختامية العائدة للسنوات من2006 حتى 2010 ما يلي:

- أن هناك أخطاء عديدة أدت إلى ظهور أرصدة مدينة ودائنة للمشتركين غير صحيحة إذ بلغ عدد المؤسسات التي عليها أرصدة مدينة للصندوق نسبة ٣٠% فقط من مجموع عدد المؤسسات المسجلة بينما بلغ عدد المؤسسات التي لها أرصدة دائنة على الصندوق نسبة ٧٠%!

- انخفض عدد المؤسسات الممكننة في وحدة المشتركين والمسجلة كمؤسسات منتسبة للصندوق من 51967 مؤسسة في العام 2006 إلى 47041 مؤسسة في العام 2010 (أي بنقص 4962) مؤسسة دون تبرير ذلك. فأين ذهبت قيود هذه المؤسسات وحساباتها وديونها والعاملين فيها؟

- حسابات الأعوام  بين سنتي 2011 و 2016 بقيت دون تدقيق.

وأضاف التقرير أن لا متابعة لتحصيل أموال الصندوق بل الاتكال على حاجة المؤسسات المدينة إلى براءة ذمة، بحيث لا تتجاوز نسبة التحصيل 68%. وأنه تبين من مراجعة الحساب "اشتراكات للتحصيل" أن أرصدته الظاهرة في الميزانيات العمومية للصندوق بين سنة 2005 وسنة 2014 هي جامدة وشبه ميتة وتكررت من742 مليار ليرة في سنة 2005 إلى 792 في سنة 2014.

-عدم صحة بيان المالي لصندوق المرض والأمومة . إذ يبلغ العجز في صندوق المرض والأمومة 398 مليار ليرة وفق ما بينه الرجوع إلى كتاب وجهه المدير العام لمجلس الإدارة. بينما يبلغ العجز الحقيقي 620 مليار وفق التقرير.  ويضاف إلى هذا العجز، العجز في صندوق التقديمات العائلية. ويجري تمويل الصندوقين بمأخوذات من أموال صندوق نهاية الخدمة خلافا للقانون، بعد استنفاذ أموال الإحتياط القانونية. علماً أن هذا العجز مستمر منذ عدة سنوات. لكن التقرير نفسه يشير إلى محاولة المدير العام تخفيف وطأة الإفصاح عن العجز الفعلي بهدف دفع الحكومة للموافقة على تعديل اشتراكات الصندوق.

ويتحدث التقرير أيضاً عن رفض المدير العام تنفيذ قرار يتعلق بنظام شراء أدوية الأمراض المستعصية من الوكلاء مباشرةً، والذي أقره مجلس الإدارة عام ٢٠٠٨،  والذي يوفر على الصندوق نسبة ٣٠% من ثمن الأدوية.

الغش والفساد يكبد الصندوق خسائر كبيرة: 

ضج الصندوق خلال الفترة السابقة بفضيحة براءات الذمة، والتي كان أبرز المتورطين فيها أحد متعقبي المعاملات وبعض موظفي الصندوق. وقد استمرت عمليات تزوير براءات الذمم هذه لأكثر من ست سنوات بحسب تقرير بعض أعضاء مجلس الإدارة.  وقد سهل بعض مستخدمي الصندوق مهمة متابع المعاملات من خلال تزوير إيصالات وبراءات الذمة وتدوين الإشتراكات في حساب مؤسسات غير المؤسسات الدافعة وذلك لتغطية الإختلاسات التي قام بها متابع المعاملات. وقدرت المبالغ المختلسة بحوالي عشرة مليارات ليرة، يخشى أن يتحمل الصندوق المسؤولية المالية عن الجزء الأكبر منها. وقد كشفت الشركات هذه الإختلاسات لدى استلامها إيصالات تبين أنها مزورة. وتبين لشركة ان براءتي الذمة الصادرتين لمصلحتها عن مؤسسة الضمان في العامين 2015 و 2016 في الصندوق غير مزورتين وصادرتين عن حاسوب الصندوق علماً أن قيود المحاسبة في الصندوق تثبت أنها ما زالت مدينة للصندوق. وتبين لشركة أخرى أن الإشتراكات التي دفعتها لمتعقب المعاملات لم تدفع وأن هناك طلب تقسيط قيمة الإشتراكات المتوجبة. بعد كشفها لعمليات الإحتيال تقدمت عدة شركات بادعاءات أمام القضاء.

وبحسب "تحالف متحدون" شكلت فضيحة براءات الذمم أحد أهم موارد الرشوة والهدر والإثراء غير المشروع. وقد تم قبض مبالغ مالية كبيرة من أجل إصدار براءات ذمم لصالح مؤسسات عديدة، فتمت سرقة الأموال وإصدار براءات ذمة مزورة مما حرم الصندوق من مبالغ مالية كبيرة. كما ذكر التحاف أن آلاف براءات الذمم اصدرت عن الضمان دون أن يتم تسجيلها في القيود أو النظام، ومنها ما هو موثق في سجلات دفترية تم إخفاؤها وحرقها. "فقد تم التلاعب بالداتا واتلاف بعض الوثائق من خلال حريق مفتعل في قسم الأرشيف في مبنى الضمان الرئيسي"، وفق ما يقوله التحالف، الذي يقدر في "الشكوى الأم" التي تقدم بها قيمة الإختلاسات بما يفوق ظاهره ال 130 مليون دولار سنوياً.

إستخفاف بالأزمة:

ينظر الموظف داخل الصندوق بشكل أكثر تساهلاً إلى فضيحة براءات الذمم. ويبرر أن وجود موظف فاسد  في المؤسسات أمر طبيعي ولا يعني أن المؤسسة كلها سيئة. هذا فيما لم نتمكن من الحصول على موعد من المدير العام للصندوق الدكتور محمد كركي ليشرح لنا تفاصيل ما يحدث في الصندوق. لكن وبعيداً عن أي رد أو اتهام تبقى الكلمة الفصل للقضاء الذي باتت الدعاوى في عهدته، فوله هو أن يعيد الإعتبار للمؤسسات وأن يحقق المصلحة العامة.

يحصل كل هذا بينما يغيب أي ضغط نقابي لمراقبة عمل الصندوق والعمل على تعزيز وضع العمال وحماية الصندوق. أو أقله المطالبة بتطبيق القانون وتعيين ممثلين عن العمال في مجلس إدارة الصندوق لمراقبة عمله واتخاذ القرارات اللازمة لانقاذه. وتعليقاً على عدم الضغط لتحقيق ذلك يقول رئيس الإتحاد العمالي العام بشارة في حديث إلى المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين أن الاتحاد بانتظار تشكيل حكومة جديدة للضغط من أجل تعيين مجلس إدارة جديد للصندوق. لكن الأسمر يتحدث عن أعضاء يمثلون مختلف شرائح المجتمع اللبناني ويعكسون التنوع في البلد في إشارة إلى التنوع الحزبي والطائفي بدل الإشارة إلى أعضاء من قبل الاتحاد العمالي يمثلون العمال فقط، فتمثيل الأحزاب والطوائف لم يساهم قط في تحسين أي مرفق من مرافق الدولة وبطبيعة الحال لن يساهم في تحسين وضع الصندوق بل ساهم في إجهاض أي قرار قد يصب في مصلحة الصندوق وبالتالي العمال.

 

لا يشذ وضع مؤسسة الضمان الاجتماعي عن التعطيل السائد الدولة على المستويات كافة، لأسباب تبدأ بتاريخ الانهيارات المؤسساتية ولا تنتهي بالفراغ الحكومي وحروب المصالح بين أركان السلطة. فالصندوق الوطني الاجتماعي المؤتمن على صحة أكثر من ثلث اللبنانيين، يعاني شغورا حد من نشاطه خلال الفترة الماضية، وزاد الامر تعقيدا ما أصاب نائب رئيس مجلس الادارة غازي يحيي من حادث أليم اضطره الى ملازمة المستشفى منذ أكثر من أسبوعين. واذا كان رئيس مجلس ادارة الصندوق طوبيا زخيا قد عاد من فرنسا حيث يقيم بشكل دائم بسبب ما ألم بيحيى، فإنه سيعود أدراجه الاسبوع المقبل ليعود الفراغ سيد الموقف، خصوصا ان وضع يحيى الصحي لا يخوله العودة الى ممارسة اعماله قريبا وفق ما تؤكد مصادر الضمان.

48 % نسبة الشغور في وظائف صندوق الضمان الاجتماعي

قبل الخوض في وضع صندوق الضمان حاليا، من المهم الاشارة الى أن ادارة نظام الضمان الاجتماعي تتولاها ثلاثة أجهزة هي:

1- مجلس ادارة يتألف من 26 عضوا، 6 منهم يمثلون الدولة وتعينهم الحكومة، و10 مندوبين تنتخبهم هيئات أصحاب العمل وتصادق الحكومة على انتخابهم، و10 مندوبين ينتخبهم المجلس التنفيذي للاتحاد العمالي العام بصفته الهيئة الاكثر تمثيلا للعمال وتصادق الحكومة على انتخابهم. وقد حددت المادتان الثانية والثالثة من قانون الضمان كيفية انشاء مجلس الادارة ومنهجية عمله وصلاحياته وعلاقته بأجهزة الصندوق الأخرى.

2- لجنة فنية: تتألف من رئيس وعضوين، وهي هيئة دائمة وجهاز من اجهزة الصندوق، تحددت طريقة تعيينها وصلاحياتها وواجباتها في المادة الرابعة من قانون الضمان الاجتماعي.

3- مدير عام على رأس أمانة الصندوق يعينه مجلس الوزراء، وقد حددت المادة الخامسة من قانون الضمان الاجتماعي أسس تعيينه وصلاحياته وواجباته، والهيكلية الحالية للصندوق تلحظ وجود 14 مستخدما من الفئة الاولى (مدير) يعاونون المدير العام على رأس أمانة سر الصندوق.

فكيف تعمل هذه الاجهزة حاليا؟ وما هي أبرز الثغرات التي تعطل عملها؟

يعمل مجلس الادارة حاليا بـ19 عضوا بدلا من 26، هذا النقص عززه زخيا الذي تجبره أوضاعه العائلية على البقاء في فرنسا منذ سنوات، كما ان المندوب عن العمال الذي يشغل مركز أمين السر الاول (غسان غصن) متغيب عن الحضور منذ أكثر من عام منذ انتخابه أمينا عاما للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب، اضافة الى اضطرار بعض الاعضاء الى الغياب عن بعض الجلسات بسبب مشاغل الحياة، وخصوصا من يرتبط بأعمال خارج لبنان مثل الدكتور عادل عليق (ممثل عن الدولة).

26 عدد اعضاء مجلس الادارة

وكأن هذه الثغرات التي ترافق مجلس الادارة لا تكفي، فطرأ ما لم يكن في الحسبان، وهو الحادث المؤسف الذي تعرض له يحيى منذ اكثر من أسبوعين، بما حال دون حضوره أو الدعوة الى عقد جلسات لمجلس الادارة، بما من شأنه تعطيل اعمال المجلس في غياب الرئيس ونائبه، لأن النظام الداخلي لمجلس الادارة لم يلحظ صلاحية لأحد غيرهما الدعوة الى جلسات المجلس.

أما اللجنة الفنية فهي معطلة كهيئة منذ 8 أعوام بسبب شغور مركز العضوين وامتناع (أو عجز) الحكومات المتعاقبة عن تعيين العضوين كي تستطيع القيام بواجباتها. فتقارير اللجنة ومنها التقرير السنوي لا يمكن اعتمادها إلا بتوقيع الرئيس ومعه عضوان، او بتوقيع العضوين.

ووضع أمانة سر الصندوق (المدير العام) ليس أشفى حالا، فثمة 14 مركزا في الفئة الأولى (مدير) والذي يحتم حجم العمل في الصندوق أن تكون مشغولة بالاصالة نتيجة مباراة يجريها مجلس الخدمة المدنية، هي شاغرة أو مملوءة بالتكليف من المدير العام، وخلافا لقانون الضمان الجتماعي "المادة 6 الفقرة ج"، باستثناء مركزين (سيشغران خلال الشهرين المقبلين بسبب انتهاء وكالتهما من مجلس الادارة).

هذا الواقع الذي يعيشه الصندوق حدا بعدد من اعضاء مجلس الإدارة، وفي ادارة الصندوق، الى رفع الصوت لحض بقية الاعضاء وبالسرعة العاجلة على تلقف المبادرة وانتخاب نائب رئيس من بينهم ليحل محل نائب الرئيس أثناء غيايه، ليقوم مجلس الادارة بواجباته كاملا حيال الصندوق والمضمونين الى حين تشكيل الحكومة وتعيين مجلس ادارة جديد أصولا مكانه، وذلك بحكم المسؤولية ومن أجل استمرار المرفق العام في تأدية مهماته.

من هم أعضاء مجلس الادارة وما هي أوضاعهم؟

مندوبو الدولة: طوبيا زخيا، رفيق سلامة، عادل عليق، مارون السيقلي

مروان اسكندر: مستقيل

أكرم نجار: مستقيل

مندوبو أصحاب العمل: غازي يحيي، بهجت قاننجي، ايلي شلهوب، منير طبارة، مهدي سليمان، انطوان واكيم، هاني ابو جودة.

مكرم صادر: اعتكاف

كاظم ابرهيم: اعتكاف

سامي شرتوني: وفاة

مندوبو العمال: غسان غصن، فضل الله شريف، جورج علم، جوزف يوسف، محمد حرقوص، ابرهيم الدوي، بشارة الاسمر، بطرس سعادة.

جهاد المعلم: مستقيل

جمال شلهوب: وفاة

 

النهار - سلوى بعلبكي - 11-9-2018

 

 

جريدة الأخبار - نبيل عبدو -  الإثنين 30 نيسان 2018

 

غداً، في الأول من أيار، سيكون قسم مهمّ من العمّال يعمل، لا يستحقّ يوم عطلة، وآخرون قد يكونون مستائين من إجبارهم على يوم عطلة، لأنهم مياومون، يقبضون أجورهم على أساس يوم العمل الفعلي (أو الساعة أو على القطعة)، لا تشمُلهم العطل المدفوعة الأجر ولا أي نوع من أنواع الحماية الملحوظة في القانون. هؤلاء هم «اللانظاميون» الذين يُشكّلون نصف القوى العاملة في لبنان.

منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية حتى اليوم، لم تتطوّر مطالب النقابات على الرغم من التحوّلات العميقة في بنية الاقتصاد والقوى العاملة. فمطلب تصحيح الأجور، الذي يبقى مطلب العمّال الرئيس، لم يعد يطالهم جميعاً. إذ إن أكثر من نصف القوى العاملة في لبنان تنطبق عليها صفة «اللانظامية»، أي إنها تخضع لشروط السوق المُجحفة. تتقاضى أقل من الحدّ الأدنى للأجور، ولا تتمتّع بالحقوق القانونية وغير مشمولة بالحماية الاجتماعية. وبين حين وآخر تخرج دعوات لإصلاح الضمان الاجتماعي، فتُسارع النقابات إلى الدفاع عن «النظام» خوفاً من فقدان امتيازات المستفيدين، ولكن 28% فقط من الأسر تحظى بتغطية صندوق الضمان، في حين أن 44% منها ليس لديها أي نوع من تغطية عامة أو خاصّة.
46%
من القوى العاملة في لبنان هي من العاطلين من العمل أو من العاملين في القطاع غير المنظّم وفق البنك الدولي


كذلك، أدّى تحرّك هيئة التنسيق النقابية إلى إقرار سلسلة رتب ورواتب جديدة لموظّفي الملاك العام، وتتحرّك فئات عدّة في الوظيفة العامة من أجل زيادة الدرجات وعدم المسّ بالمعاش التقاعدي أو بتعاونية موظّفي الدولة، إلا أن المتعاقدين والمياومين في القطاع العام يشكّلون نصف العمالة فيه تقريباً، ولا يستفيدون من أي من مزايا الموظّفين، بل إن الكثير منهم يعمل تحت عناوين معبّرة، كالعمّال بالفاتورة أو على الساعة أو عمّال المُتعهّد. وبطبيعة الحال، لا يستفيد العدد الهائل من العمّال المهاجرين واللاجئين (من عاملات منازل إلى لاجئين سوريين وفلسطينيين وعمّال من جنوب آسيا وأفريقيا، الذين يناهز عددهم عدد العمال اللبنانيين في القطاع الخاص) من أي حماية يتمتّع بها العمّال النظاميون اللبنانيون، فهؤلاء أيضاً هم لانظاميون متروكون لمصيرهم. فلو كان هناك مسح جدّي للقوى العاملة في لبنان يشمل المهاجرين لكنا اكتشفنا أن أقلية متناقصة من العمّال تتمتّع بالحمايات الأساسية، كالحماية الاجتماعية، إجازات سنوية ومرضية، ساعات عمل محدّدة وأجر ثابت.
يحتاج كلّ هؤلاء المهمشين إلى مقاربة جديدة للقضايا العمّالية، لا تنظر إلى «اللانظامية» كقطاع، أو حالة يعاني منها بعض الفئات العمّالية، بل هي البنية الاقتصادية السائدة التي يتوجّب العمل على تغييرها.

النمو أهم من العمّال
يتكوّن الاقتصاد اللانظامي من كل الأنشطة الاقتصادية التي لا تشملها التدابير الرسمية أو النظامية قانوناً أو ممارسة، أي تشمل كل العمّال الذين لا يتمتعون بالحقوق المنصوصة قانوناً كالحماية الاجتماعية، التقاعد، العطل المدفوعة، الحدّ الأدنى للأجور وغيرها. كما أن هذا الاقتصاد يشمل المؤسسات الفردية وتلك غير المسجّلة. فاللانظامية ليست حالة حديثة بل تاريخية إذ أُطلق هذا التوصيف على الأنشطة التقليدية والحرفية في البلدان النامية التي قيل إنها ستختفي مع تحوّل هذه الاقتصاديات إلى الحداثة والتصنيع. ولكن هيمنة الأيديولوجيا النيوليبرالية في العالم رسّخت اللانظامية التي أصبحت أحد أهم عوامل تراكم الأرباح والثروة في اقتصاديات البلدان المختلفة. وتُرجم ذلك بالتحوّل في السياسات العامة من اقتصاد جانب الطلب (أي السياسات التي تحفّز الطلب عبر زيادة الأجور مع التضخّم ودولة الرعاية التي تضمن الخدمات الأساسية بغية تحرير العمّال من عبء تحمّل كلفتها لصالح استهلاكهم لسلع وخدمات أخرى) إلى سياسات جانب العرض المبنيّة على تحفيز الأرباح والاستثمارات على حساب العمل والأجور. فتروّج الأيديولوجيا النيوليبرالية أن النمو الاقتصادي هو الهدف الأسمى للسياسات العامة.

تشنّ حرباً شعواء على العمل الثابت في القطاع العام فيما يُسدّ الشغور بالعمل اللانظامي

ويتحقّق ذلك عبر تأمين المناخ للشركات من أجل تحقيق الأرباح، وسينعكس إيجاباً على النمو ويكون لديه أثر انتشاري، أي إن الأرباح هذه لن تبقى محصورة بيد الشركات بل ستنتشر لجميع الناس عبر فرص عمل أكثر وغيرها.

تفكيك علاقات العمل: مقاولون لا أجراء
انتشرت شعارات جذب الاستثمارات الأجنبية، وتسهيل تأسيس الشركات والمرونة في العمل وتخفيف الأكلاف على الشركات من أجل أن تتمكّن من تحقيق الأرباح. فتُرجمت عبر التخفيف من كلفة العمل قانوناً وممارسة. فجرى تخفيض اشتراكات الضمان الاجتماعي، كما حصل في لبنان عام 2002، وتمّ إدخال تشريعات عمل جديدة، بحجّة إتاحة مرونة أكبر في سوق العمل، ما سمح للشركات باعتماد عقود العمل المؤقتة، والحصول على استثناءات من القانون، كما في المناطق الخاصة والمناطق الحرّة كمنطقة طرابلس الاقتصادية، حيث تم تعليق قانون العمل وصيغت تشريعات خاصة تعفي الشركات من التزاماتها الاجتماعية.


المصدر: البنك الدولي – وزارة المال (2012) – منظّمة العمل الدولية | للصورة المكبّرة انقر هنا

في الممارسة، جرى اختراع مُسميات وظيفية وأشكال تعاقد جديدة من أجل التحايل على علاقات العمل بين العامل وصاحب العمل، كالعقود الاستشارية التي تحصل في القطاع الخاص وفي المنظّمات غير الحكومية والدولية، وحتى في الوزارات (العاملون بعقود مع UNDP) وغيرها. فالسمة الأهمّ لهذه الأشكال التعاقدية هي أنها تحرّر صاحب العمل من تبعات العلاقة التعاقدية مع العامل، وتجعل من العامل كما لو أنه مُقدّم خدمة مستقلّ لزبون منفصل (أي الشركة)، كما هي حال سائقي «أوبر» الذين يصنّفون كشركاء، أو كالنساء اللواتي يعملن من منازلهن في الخياطة والنسيج من أجل شركة تدفع لهنّ على القطعة، وغيرها من أشكال التعاقد. كذلك تنتشر أشكال التعاقد من الباطن، إذ تقوم الشركات بإسناد بعض من مهامها إلى شركات أخرى، فتنشأ علاقة ثلاثية، حيث يكون عقد العمل مع شركة ولكن العامل يتقاضى أجره من شركة أخرى، فتتملّص الأولى من التزاماتها الاجتماعية اتجاهه في حين لا تكون الثانية مسؤولة عن هذه الالتزامات. وهذه تحديداً حال مياومي الكهرباء الذين يعملون لدى شركة كهرباء لبنان ولكن علاقتهم التعاقدية مع شركات مقدّمي الخدمات ومع شركات «المتعهّد بتوريد العمّال».
في ظل هذا التفلّت، تُشنّ حرباً شعواء على أشكال العمل الثابت والدائم، خصوصاً في القطاع العام، وتُرمى عليه صفات الكسل والخنوع وإعاقة المبادرة الفردية. ففي حين يتعاظم الشغور في ملاكات الوظائف العامّة يتم اللجوء إلى سدّ الحاجات بأشكال من العمل اللانظامي، وهذا الاتجاه تعزّزه موجات الخصخصة، بحجّة تقليص القطاع من أجل فسح المجال لنمو القطاع الخاص الذي هو المحرّك الأساسي للنمو.

وهم الريادة
أدّت هذه السياسات إلى ارتفاع معدّلات النمو، ولكنه كان نموّاً من دون وظائف، وفي كثير من الأحيان مدفوعاً بالقطاعات التي لا تنتج عملاً، أي العقارات والأسواق المالية والتجارة. فتمّت الاستعاضة عن الطلب الداخلي بالطلب الخارجي وانتشار أكثر للوظائف المتدنية الأجر والمهارة. وفي ظلّ انتشار البطالة ظهرت البدعة الجديدة، وهي الريادة، أي الترويج لفكرة أن البطالة مشكلة فردية ويمكن لأي شخص الازدهار بفعل مبادرته وإرادته. فلا حاجة للبحث عن عمل بأجر إذ يمكن لأي فرد أن يصبح صاحب عمل نفسه، فانتشرت القروض الصغيرة وبالغة الصغر الموجّهة للفقراء، ما أدّى إلى تنامي العمل للحساب الخاص. فيتمّ اعتبار بائع الكعك على الكورنيش ريادياً في مجال الأعمال، كما المرأة التي تقتني آلة خياطة لتعتاش. وفي هذا المجال، اعتبر أحد أبرز المنظّرين الاقتصاديين النيوليبراليين أن الثورات العربية كانت ثورات رياديين لم يجدوا مناخاً ملائماً لتنمية أعمالهم، إذ إن البوعزيزي كان بائع خضرة متجوّلاً واجه عوائق بيروقراطية كبيرة أمام نمو عمله. باختصار، كانت القروض الريادية من أحد أبرز العوامل التي ساهمت في مفاقمة اللانظامية عبر خلق كتلة كبيرة من العاملين لحسابهم الخاص المنخرطين في أنشطة متدنية الدخل يتأرجحون بين خطوط الفقر.

انتهاء صلاحية النقابات
أمام هذه التغيّرات في العالم، وتحديداً في لبنان، لم تستطع النقابات، أو لم ترغب في أقلمة نفسها من أجل مواجهة هذه التغيّرات البنيوية وحماية العمّال. لقد بات عالم العمل فضاءً منقسماً بين أقلية مشكّلة من عمّال نظاميين محميين تسعى النقابات إلى حماية مكتسباتهم، وأكثرية تتكوّن من عمال لانظاميين من دون حماية أو مظلّة أو أدوات نقابية، يعملون من دون ساعات محدّدة، يتقاضون أجوراً تتقلّص وترتفع مع حركة السوق، ولا يتمتعون بأي نوع من الحماية الاجتماعية. إنها ببساطة عودة إلى ظروف العمل في ظلّ الرأسمالية الأصلية. تتعزّز هذه البنية مع بروز الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على المنصّات الرقمية كما مع التقدّم التكنولوجي والأتمتة. فتعتمد هذه الأخيرة على تفكيك أعمق لأماكن العمل، ضبابية أكثر في علاقات الاستخدام ولا مركزية الوحدات الاقتصادية التي لا تعتمد على نماذج العمل المُعتادة. لهذه الأسباب تتدهور في شكل مطرد راهنية الأشكال النقابية الحالية وتبرز الحاجة إلى إعادة التفكير بطرق التنظيم العمالي غير الاقصائية والتي تستجيب إلى هذه التغيّرات وتتركّز نضالاتها على مطالب ذات صلة وأهمّية بواقع العمّال حاضراً ومستقبلاً.

 

 

تتمنّع المؤسسات العامة في لبنان عن دفع متوجباتها لصندوق الضمان الاجتماعي ما راكم عليها ديوناً تقدر بمئات مليارات الدولارات. القيمة الحقيقية لهذه الديون تبقى غير معروفة بسبب الخلط في تعريف المؤسسات العامة، ويعدما تبيّن أن هناك مؤسسات خاصة مدرجة ضمن هذا التصنيف!

 

 

على مدى سنوات، برزت مشكلتان بين الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمؤسسات العامة. من جهة، لم تكن هذه المؤسسات تسدّد ما يتوجب عليها من ديون رغم اقتطاعها مبالغ من رواتب الموظفين بحجّة تسديد هذه المتوجبات. ومن جهة أخرى، كان الصندوق يسجّل ديوناً غير دقيقة على المؤسسات لعدم وجود توصيف دقيق لها، ما يؤدي الى الخلط بينها وبين الإدارات العامة وشركات القطاع الخاص المنشأة بموجب قوانين صادرة عن المجلس النيابي.

قصة ديون الصندوق على المؤسسات العامة قديمة. إذ أن عدداً قليلاً منها فقط كان يستفيد من القوانين التي صدرت لتقسيط الديون ويصرّح عن ديونه، بينما امتنعت غالبيتها، طوال سنوات، عن تسديد المتوجبات للصندوق. وفي عام 2006 وصل المبلغ المتراكم على هذه المؤسسات، وأبرزها مؤسسة كهرباء لبنان وتلفزيون لبنان والجامعة اللبنانية، الى 400 مليار ليرة. وتبيّن أن هناك 67 مؤسسة عامة لا ترصد الاعتمادات اللازمة في موازناتها لتسديد الاشتراكات المستحقّة عن الأجراء العاملين فيها بتواريخ استحقاقها، وأن بينها من لا يصرّح عن أجور الموظفين أصلاً، ما دفع إدارة الضمان إلى مراسلة وزير المال في حينه، جهاد أزعور، طالبة منه مساعدتها لرصد الاعتمادات. كما تبيّن أن بعض المؤسسات العامة كانت تجبي الاشتراكات (2% من رواتب الموظفين) وتحتفظ بها من دون وجه حق، فضلاً عن وجود عدد كبير من الموظفين الرسميين على لوائحها غير مصرّح عن أجورهم للصندوق. وقد وجهت إدارة الضمان، قبل سنوات، إنذارات لهذه المؤسسات بوجوب التصريح عن الموظفين وتسديد الاشتراكات المقتطعة، لأن الاحتفاظ بالأموال والاستفادة منها يعرض الشخص المسؤول عن هذا الأمر لعقوبة السجن.

عند هذا الحدّ كان السجال يتعلق بكيفية إجبار المؤسسات العامة على التسديد، قبل أن يثار الأمر مجدداً في مجلس إدارة الضمان مطلع السنة الجارية. فقد تبيّن أن القانون الذي يطبق على القطاع الخاص لدى التهرب من تسديد الاشتراكات ومن كتمان التصريح عن أجور الموظفين غير قابل للتطبيق على المؤسسات العامة. ففي حالة القطاع الخاص، يمكن بحسب قانون الضمان ملاحقة الشركات والمؤسسات التي تمتنع عن التسديد أو التصريح عبر توجيه كتب إنذار اليها، يليها إصدار بيانات دين تحال إلى مصلحة القضايا في الصندوق حيث ترفع دعاوى وتصدر أحكام يمكن بموجبها حجز أملاك المخالفين وبيعها بالمزاد العلني.

 

لوائح الضمان تتضمّن 19 مؤسسة خاصة كمؤسسات عامة بسبب «خلط» في التعريف !

وخلص مجلس الإدارة إلى أنه لا يمكن تنفيذ هذه الملاحقات على المؤسسات العامة، لاستناد لوائح الضمان التي تحدّد هذه المؤسسات إلى مفاهيم قانونية خاطئة. لذلك، تقرّرت مراسلة مجلس الخدمة المدنية وإحالة الملف إلى اللجنة الفنية في الصندوق بهدف تحديد المؤسسات العامة ودرس حساباتها في مصلحة الاشتراكات في الصندوق لتحديد قيمة المبالغ المتوجبة عليها بصورة دقيقة وتفصيلية.

وعلى هذا الأساس، أصدر رئيس اللجنة الفنية في الصندوق سمير عون رأياً يوضح فيه عناصر المتوجبات على هذه المؤسسات، على النحو الآتي:

مساهمة سنوية بنسبة 25% من تقديمات صندوق المرض والأمومة.

مساهمة سنوية بنسبة 25% من تقديمات قسم المضمونين الاختياريين.

مساهمة بنسبة 80% من اشتراكات المخاتير لفرع ضمان المرض والأمومة.

المساهمة في اشتراكات السائقين المالكين لفرعي ضمان المرض والأمومة تحتسب على أساس 6.25% x ضعفي الحد الأدنى للأجور بناء على الاشتراكات المسددة لفرع المرض الأمومة، وبنسبة 3.25% x ضعفي الحد الأدنى للأجور بناء على الاشتراكات المسددة لفرع التعويضات العائلية.

الاشتراكات المتوجبة عن أجراء الدولة المصرح عنهم للصندوق.

المساهمة بنسبة 1% من الاشتراكات المتوجبة لقسم المضمونين المتقاعدين.

التسويات المتوجبة لتعويض نهاية الخدمة عن أجراء الدولة.

ولفت عون إلى أن إدارة الضمان أغفلت من عناصر المتوجبات قيمة الفوائد المترتبة على الديون المتوجبة، فضلاً عن أن لوائح الضمان تتضمّن 19 مؤسسة خاصة كمؤسسات عامة «وهو ما يعتبر خطأ جسيماً وضاراً»، انطلاقاً من التعريف المحدّد في القانون للمؤسسات العامة على أساس المعايير الآتية:

مؤسسات عامة منشأة بموجب قوانين ومراسيم.

مؤسسات عرّف طبيعتها المرسوم رقم 4517 في مادته الثانية التي تشير إلى أنه «تعتبر مؤسسات عامة بمقتضى أحكام هذا المرسوم، المؤسسات العامة التي تتولى مرفقاً عاماً وتتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلالين المالي والإداري». وفي مادته الثالثة ينص على أنه «تنشأ المؤسات العامة وتدمج وتلغى بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء. يتضمن نص إنشاء المؤسسة العامة تحديد نوعها وغايتها ومهمتها ومركز ونطاق عملها والوسائل الفنية والإدارية والمالية اللازمة لها. كما يتضمن ربطها حسب طبيعة أعمالها بإحدى الوزارات التي تمارس الوصاية الإدارية عليها، ولهذه الغاية تعين الوزارة التي تمارس سلطة الوصاية الإدارة مفوضاً للحكومة لدى المؤسسة العامة».

 

محمد وهبه - الاخبار - 30-4-2018

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
حصة دعم كهرباء لبنان من الدين العام: فوضى وهدر منظم بفضل التوارث الوزاري

حصة دعم كهرباء لبنان من الدين العام: فوض…

أيار 22, 2020 35 مقالات وتحقيقات

نفوذ سياسي وديني خارج الرقابة : كارتيل المدارس»: الأمر لنا!

نفوذ سياسي وديني خارج الرقابة : كارتيل ا…

أيار 20, 2020 60 مقالات وتحقيقات

كفى تمويهاً

كفى تمويهاً

أيار 15, 2020 291 مقالات وتحقيقات

تعليم أطفال النازحين: «التربية» تقبض بالدولار وتدفع باللبناني

تعليم أطفال النازحين: «التربية» تقبض بال…

أيار 13, 2020 115 مقالات وتحقيقات

نحو مدارس بديلة بإدارة الأهل والبلديات

نحو مدارس بديلة بإدارة الأهل والبلديات

أيار 13, 2020 109 مقالات وتحقيقات

أزمة التعليم العالي ستكون الأخطر لعقود مقبلة تراجع مستوى التعلم يؤثر سلباً في النمو الاقتصادي

أزمة التعليم العالي ستكون الأخطر لعقود م…

أيار 13, 2020 110 مقالات وتحقيقات

قراءة قانونية في ما تضمّنته الخطة الاصلاحية للحكومة مرقص: "الورقة" تدمّر القطاع المصرفي وتضرب الدستور

قراءة قانونية في ما تضمّنته الخطة الاصلا…

أيار 12, 2020 111 مقالات وتحقيقات

المجذوب خضع للمدارس رغم تحذيرات الخبراء الصحيين!

المجذوب خضع للمدارس رغم تحذيرات الخبراء …

أيار 11, 2020 121 مقالات وتحقيقات

«كارتيل» المدارس الخاصة يحتجز التلاميذ على خطى المصارف وبغطاء من وزير التربية

«كارتيل» المدارس الخاصة يحتجز التلاميذ ع…

أيار 11, 2020 120 مقالات وتحقيقات

ملف الفيول المغشوش نحو اللفلفة بدخول لاعبين جدد عقود جديدة... وموظفون في المنشآت "كبش محرقة

ملف الفيول المغشوش نحو اللفلفة بدخول لاع…

أيار 06, 2020 211 مقالات وتحقيقات

متعاقدون مستقلون في "اللبنانية": لجنة الأحزاب لا تمثلنا

متعاقدون مستقلون في "اللبنانية…

أيار 05, 2020 174 مقالات وتحقيقات

سركيس حليس يتوارى عن الأنظار | الفيول المغشوش: موظّفون يقرّون برشى بمئات آلاف الدولارات

سركيس حليس يتوارى عن الأنظار | الفيول ال…

نيسان 29, 2020 716 مقالات وتحقيقات

«الموجة الأولى» من الأضرار: ثلث العمّال فقدوا وظائفهم

«الموجة الأولى» من الأضرار: ثلث العمّال …

نيسان 29, 2020 683 مقالات وتحقيقات

كفى دجل وأستهبال،  رياض سلامة ركن من منظومتكم، والمطلوب إسقاط كل  منظومة النهب

كفى دجل وأستهبال، رياض سلامة ركن من منظ…

نيسان 28, 2020 890 مقالات وتحقيقات

المستأجرون يطالبون بتعليق المهل في الإيجارات والمالكون يرفضون... ويطالبون بتفعيل عمل اللجان

المستأجرون يطالبون بتعليق المهل في الإيج…

نيسان 28, 2020 669 مقالات وتحقيقات